الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢١٢212
-
وكذلك لا يقال إنه متحقق لأنه في معنى مستبصر وموقن، و هذا لا يوصف به أحد منا في الشاهد إلا بعد أن كان فيه شاكاً فما يتحققه أو مستبصر فيه: وكذلك لا يوصف بأنه يشعر بالأشباء ويفطن لأن من يفطن ويشعر بالأشياء هو الذى لم يكن علمها قبل ذلك، والله تعالى لم يزل بالأشياء عامة ولا تجوز هذه الصفة عليه تعالى. وكذلك لا يوصف بأنه نحس بالأشياء لأن الإحساس بالأشياء هو أول ما يدرك من العلم بها فلما لم يحز على الله تعالى استدراك العلم شيئاً بعد شيء إذ كان لم يزل عالماً، لم يجز عليه تعالى هذا الوصف. وكذلك لا يوصف تعالى بأنه يعقل الأشياء كما يوصف بأنه يعلمها.
مسألة: فان [100] قال قائل أوليس العلم عندكم غير العقل؟ .. قيل له إنما سمى علمنا عقلا على التوسع تشبيهاً بالعقل الذي هو الشك والمنع، لأن علمنا يحسن الحسن ويقبح القبح هو منع لنا من ركوب القبح وترك الحسن فسمى العقل عقلا من هذا الوجه توسعاً، وعلم الله سبحانه وتعالى لا يجوز أن يكون منعاً عن شيء، لأنه لا يجوز على الله تعالى المنع. كما لا يجوز أن يكون محلى لأن التحلية والمنع إنما يجوز على من تتوق نفسه إلى الأشياء فيمتنع من ذلك ويكف عنه بمثل ما وصفنا وهذا غير جائز على الله عز وجل فلم يجز أن يقال له إنه عاقل.
مسألة: فان قال فما أنكرتم أن يكون معنى هذه الصفات كلها معنى واحد؟ وإنما جاز أن يوصف بأنه عالم ولم يجز أن يوصف بأنه يعقل ويفطن ومحسن، وإن كان المعنى ذلك هو معنى العلم، لأن الله تعالى يصف بذلك نفسه في القرآن ولم يصفه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قيل له لو كان الأمر كذلك لوجب على أهل العقل من أهل اللغة أن يصفوه بهذه الصفات بأنه عالم بالأشياء، من قبل أن يأتيهم الرسول صلى الله عليه وسلم ومن قبل أن ينزل القرآن لأنهم يعرفون معانى هذه الصفات
مسألة: ولا يوصف تعالى بأنه يفهم الأشياء كما يوصف بأنه يعلمها