الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢١٣214
لأن الفهم هو العلم بمعنى الكلام الذى يسمعه حتى تكون إذا سمعه لم يخف عليك معناه. وكذلك الفقه إنما هو أن يفقه الكلام، ولهذا الأمر لم يوصف بالفهم إلا الكلام وحده، وكذلك لا يوصف الفقه إلا للكلام كما قال سبحانه: وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولا) (1). فلما كان الله تعالى لم يزل عالماً بالأشياء كلها وبمعانيها لم يجز أن يوصف كما نوصف نحن بذلك، ولا أنه يقهم ولا أنه فهم، ولا بأنه فقيه ولا يوصف تعالى بأنه يشم ويذوق، لأن الشم هو استنشاق الجسم المشموم 156 و دخوله في الخياشيم، والذوق هو الماسة الجسم لأجسام المذوق للسان واللهى، فلما لم يجز على الله تعالى مماسة الأجسام ولا مداخلتها إياه لم يجز عليه الشم والذوق. ولا يوصف تعالى بأنه صبور كما يوصف بأنه حليم لأن الصبور هو الذي يصبر على الذي يؤلمه ويغمه، وهذا معناه عندنا في الشاهد، ولهذا كان ثواب الصبر عندنا من أعظم الثواب لأنه احتمال المكاره والصبر عليها.
فلما كان الله تعالى لا تصل إليه المكاره ولا المضار لم يجز أن يوصف بالصبر. وكذلك لا يوصف بأنه وقور كما يوصف بأنه حليم لأن الوقور منا والثقيل والرزين إنما يوصف بهذه الصفات للزومه مكانه الذي هو فيه عند الغضب، وأن غضبه لم يحمله على الحركة، فلما كانت هذه المعانى على الله لا تجوز لم يجز أن يوصف بأنه وقور ولا رزين ولا ثقيل، كما وصف تعالى نفسه بأنه حليم. ولا يوصف تعالى بأنه يجرد ويقنط لأن القنط من الغيظ والجرد عرضان محلان في الإنسان. ولا يوصف تعالى بأنه يغتاظ كما يوصف بالغضب وليس معنى الغيظ معنى الغضب، لأنه قد يغتاظ في الشاهد من أفعالنا ولا يغضب في الشاهد منا. والغيظ إنما هو بمنزلة الحسيرة التي يلحقها كون ما يكره، وكذلك الغضب، لأنا قد نغضب على العصاة لله تعالى وإن لم نكن عليهم مغتاظين في وقت غضبنا عليهم: فلما كان الله سبحانه وتعالى لا تجوز عليه الحسيرة ولا تغمه معاصى العباد لم يجز أن يغتاظ على عباده وإن كان يغضب عليهم
بمعاصيهم له.
(1) سورة الكهف: آية 93.