الكشف والبيان محمد بن سعيد الأزدي القلهاتي أبو عبد الله

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢١٤

-

- 214

-

مسألة: فان قال قائل أفليس قد قال الله عز وجل ذكره: (يا حسرة على العباد) (1) .. الآية، قيل له قال تعالى ذلك مجازاً وتوسعاً وأراد أن كفر العباد واستهزاءهم بالرسل يكون حسرة يوم القيامة: وهو يريد بذلك أنهم يتحسرون يوم القيامة، وأما الله تبارك وتعالى فلا تجوز عليه الحسرة ولا الندامة. فان قال أفليس قد جاز عليه الأسف بقوله: (فلما آسفونا انتقمنا منهم) (2). 107 قيل له قد يجوز أن يكون قال هذا وهو يعنى أسفوا، رسلنا لأن الرسل يجوز عليهم الأسف، ويجوز أيضاً أن يقول آسفونا وهو يعنى أغضبونا فذكر الأسف وهو يريد الغضب توسعاً، فأما الأسف حقيقة فلا يجوز على الله عز وجل، لأن الأسف هو الذى فاته أمر فأسف عليه. فلما كان الله سبحانه وتعالى لا يجوز عليه الفوت فى شئ من الأشياء لم يجز عليه الأسف ولا الحسرة، ولو وجدنا في شيء من الأخبار عن الله تعالى الحسرة كما وجدنا فيها الأسف، لكان معنى ذلك إنما جرى على المجاز والتوسع والمراد به الغضب كما بينا في الأسف. قال الخليل: إذا جاءك من فوقك أمر فحزنت ولم تطقه فذلك تأسف أسفاً وأنت آسف، وأنت أسف ومتأسف. وإذا جاءك من دونك فأنت أسف غضبان، تقول أسفى أغضبني وأسف الرجل يأسف أسفاً وهو أسف غضبان، وأسف الرجل صاحبه إيسافاً إذا أغضبه. ومنه قوله تعالى: (فلما آسفونا انتقمنا منهم) (3).

حين

فصل

ولا يوصف بأنه يشتهى الأشياء كما يوصف بأنه يحها لأن الشهوة ليست من جنس المحبة، وذلك أن الشهوة إنما هى توقان النفس إلى ما تتوق إليه كتوقان العطشان إلى شرب الماء، وتوقان النفس الجائعة إلى أكل الطعام. ومحبة العطشان إلى شرب الماء هى إرادة لشرب الماء وذلك غير توقان نفسه إلى الشرب. لأنه قد تتوق نفسه إلى ذلك وهو صائم ولا يريد شربه بل يكرهه

(1) سورة يس: آية 30. (2) سورة الزخرف: آية 55. (3) سورة الزخرف: آية 55.