الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢١٧217
ولا يوصف الله تعالى بأنه ناطق لأن النطق إنما هو الصواب لا الكلم ودليل ذلك قوله تعالى: (علمنا منطق الطير) وقد علمنا أن الطير لا يتكلم لأنه لو كان نطقها كلاماً لفهمنا نحن إذا سمعناه لأنا نفهم الكلام، فلما كانت أصوات الطير بخلاف، الكلام الذى يفهم صح أن منطق الظير إنما هو
صوت ليس بكلام، فلم يجز على الله النطق، وأيضاً فان النطق هو مثل الصباح والصراخ، وذلك لو أن رجلا ضرب فصاح لم نقل إنه لم ينطق ولو أنه سكت فلم يصرخ ولم يصح لقيل إنه لم ينطق. فلما لم يجز على الله تعالى الصياح ولا الصراخ إذ كان ذلك إنما يجوز على المخلوق الذي يحل صياحه وصراخه فى لسانه ولهاته ولم يجز أيضاً عليه النطق من جنس الصياح والصراخ ولم يكن من جنس الكلام. فان وجدنا في بعض الكلام نطقاً فان ذلك محمول على المجاز دون الحقيقة. ولا يوصف تعالى بأنه فصيح لأن الفصيح في اللغة إنما هو الكلام الذى يفصح عن المعنى ويوضحه فكلام الله تعالى فصيح. وإنما وصفهم القائل بأنه فصيح فانما توسع فلا يجوز أن يوصف الله تعالى بذلك لأنا نجده فى صفاته فنصفه به على التوسع، ولكن كلامه بأنه فصيح على جهة الحقيقة، وربما قال القائل فلان فصيح اللسان وهو يريد أنه ذرب اللسان (1) وهذا توسع ومجاز، لأن الفصاحة إنما هي الكلام وليس ذرابة اللسان من الفصاحة فى شئ لأنه [17] رب ذرب اللسان يكون كلامه فاسداً فلا يكن فصيح الكلام (2) وربما كان الشاعر والمتكلم في لسانه لكنة،
ولا يوصف تعالى بأنه بليغ ولكن يوصف كلامه بأنه بليغ لأن البلاغة (3) إنما هي للقول على الحقيقة لا القائل وهو لم يوصف القائل منا بأنه بلغ على الحقيقة ولما لم نجد فى
(1) ذرب اللسان: حديده، فصيحه، فاحشه. الجمع ذرب.
(2) الفصاحة في الألفاظ.
(3) البلاغة في المعانى.