الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٢٣-
223 -
-
(166 كقوله ويمكر الله، وإن كان المكر منفياً عنه جل جلاله، وقال بعض أهل اللغة معنى قوله تعالى: (بل عجبت ويسخرون) (1) أى، بل جازيتهم
على عجبهم لأنهم عجبوا من الحق في غير موضع، فقال تعالى بل عجبت أى بل جازيتهم على تعجبهم لأن جزاء الشيء قد يسمى باسمه كقوله تعالى (ومكروا ومكر الله) (2) ويسخرون منهم سخر الله منهم، والله تعالى لا يمكر ولا يسخر وإنما هو على ما تسمى به العرب جزاء الشيء باسم المجازي والمجازى به، قال شقيق قرأت عند شريح) بل عجبت ويسخرون)، فقال إن الله تعالى لا يعجب من شيء وإنما يعجب من العلم، فذكرت ذلك لإبراهيم فقال إن شريحاً شاعر يعجبه علمه. وكان عبد الله بن مسعود يقرأ بل عجبت، وقال بعض البصريين بل عجبت بالضم، ذهب إلى أن العجب لمحمد صلى الله عليه وسلم وفيه إضمار معناه يا محمد، بل عجبت أنا من قدرة الله فأضمر القول لدلائل الكلام عليه. وقال بعضهم هذه الأحاديث في العجب نقلت مصحفة (3) وإنما هو عجبت بتشديد أي عجب ربنا تعالى ملائكته من هؤلاء الثلاثة من الملائكة صنيعهم. وكذلك قالوا في قوله ضحك ربنا أى أضحك ربنا ملائكته من أفعالهم بتشديد الحاء وفتحها أي أضحكها من صنيع عباده، وضحك يجوز أن يعنى أضحك لأن أفعل تجيء في لسان العرب بمعنى أفعل بمعنى أضاء القمر وأضاء. وأصبر الفرس صراً أي أجمع قوائمه ووثب، وضررت الرجل وأضررت به، وضربت عن الشيء إذا أعرضت عنه وضيعت الناقة وأضيعت إذا اشتهت الفحل، هذا كله قول الأشعرى.
ولا يقال إن الله تعالى بهجر المعاصى كما يقال إنه يكرهها ويسخطها لأن هجراننا الشيء هو الانقطاع عنه وترك الاتصال به وربما كان ذلك ترك الكلام لمن هو يهاجره وتركاً لمجالسته ومقاومته وهذه المعاني
(1) سورة الصافات: آية 12.
(2) سورة آل عمران: آية 54.
(3) التصحيف ومصحفة: أى وضع النقاط في غير محلها