الكشف والبيان محمد بن سعيد الأزدي القلهاتي أبو عبد الله

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٤٣

243

-

مكان، قيل له المعنى في ذلك غير ما ذهب إليه وهو أنه جاء وأتى أمره وثوابه و حسابه وعذابه. وكان ابن عباس يقول: (وقدمنا إلى ما عملوا) (1) أي عمدنا، فذكر نفسه تعالى وهو يريد أمره فقال أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وهو يعنى أمره، وكما قال: (أفعصيت أمرى) (2) والأمر لا يعصى وإنما يعصى الأمر فذكر الآمر وأراد الأمر وهذا فى اللغة موجود كثير. وكذلك جاء ربك والملك صفاً، يعني به جاء أمر ربك با القضاء بين عباده والملك صفاً صفاً وهو ما ذكرناه أنه يذكر نفسه تعالى ويريد أمره على التوسع والمحاز لأنه لا يجوز في اللغة أن يقال جاء الله بأمره وأتى الله بأمره كما يقال أتى الله بالخصب، وجاءنا الله بالخير، فقال جاء الله وأنى، وهو يعني جاء أمره، لأن الله تعالى قد دل بحجج العقول على أنه عز وجل لا يجوز عليه المجيء والإتيان الذي هو إتيان من البعد إلى القرب، لأن البعد والقرب بالمسافة والانتقال من مكان إلى مكان إنما يجوز على الأجسام المحدودة، والأجسام المحدودة لابد أن تكون محدثة. ويقال إن قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) إن هذا القول في يوم القيامة، أى هل كانوا ينتظرون غير هذا، وينظرون معناه ينتظرون. قال الشاعر (3):

فبينما نحن ننظره أتانا مغلق شکوه وزناد راعي

وقال الحسن يأتيهم الله بأمره وقضائه وحكمه، وكذلك: أو يأتي ربك أمره

يوم القيامة. مسألة: فان قال فما أنكر تم أن يكون هذا المجيء والإتيان ليس على ما ذكرتم ولا هو مع ذلك على ما قالت المشبهة من إجازة الزوال والانتقال على الله عز وجل. قيل له لا يعتمل في اللغة ولا في شيء من الكلام المجيء والإتيان إلا ما قلناه، فلما لم يجز ما قالته المشبهة على الله عز وجل فيكون معناه ما قلنا. 1184 وأيضاً فلو جاز أن يصف نفسه بأنه يأتى

(1) سورة الفرقان: آية 23.

(2) سورة طه: آية 93.

(3) زيادة من عندنا

•