الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٥265
و عجزوه وكذبوا بكتابه والله تعالى يقول: (إن الله على كل شيء قدير) (1): وإن قالوا لا يعجزه شيء وكل ما أراد فهو كائن، قلنا فما بال الخلق لم يكن منهم ما أراد من الإيمان كما كان أراد من السموات والأرض في تمام خلقها، فان قالوا بل إرادته في كل شيء سواء وليس كما أراد بكائن لأن الإرادة من الله تعالى في خلقه حتم والإرادة من الله فيما أمر ليس بحتم كما حتم السموات: قلنا فما هي إذا كانت ليست بحتم كما حتم خلق السموات، فان قالوا هي إرادة أمر فقد زعموا كما زعمنا.
فصل
ويقال لهم إرادة الله من الأمر ما لم يتم كونه أم مما يتم كونه؟ فان قالوا فارادة الله من الأمر ما يتم كونه، قلنا فماذا دفع إرادة الله فيما أراد الله من عباده في أمره؟ فإن قالوا إرادة الخلق دفعت إرادة الله، قلنا أوليس أنها كانت سبب دفع إرادة الله ما أراد الخلق لأنفسهم لأنه لو لم يحب ويرد الله تمكين الخلق من استطاعة دفع ما أراد الله لم يكن الخلق ليدفعوا ما أراد الله ولا يستطيعون دفعه. فان قالوا إنما دفع العباد ذلك بما أعطاهم الله فقد زعموا أن الله دفع إرادته بارادتهم وأنه تعالى أراد ذلك جميعاً. فان قالوا إنما يستطيع العباد خلاف ما أراد الله منهم ويفعلون خلاف ما أراد الله بغير تمكين منه لهم، فقد زعموا أنهم مستغنون عن الله تعالى وأنهم هم الذين يفعلون ما يحبون بلا سبب من الله تعالى لهم ولا قوة أعطاهم إياها و هذا مما يدخل عليهم. وإن قالوا إن الإرادة من الله تبارك وتعالى ليست بواحدة، 203 قلنا لهم كم هي؟ فان قالوا إرادة كثيرة، منها ما يخلق بتثبيت الخلق حتماً منه، ومنها ما ليس بحتم. قلنا لهم أما التي في حتم خلق الخلق فنحن وأنتم فيها سواء، وأما التي ليست بحتم وليست فى قولكم بأمر قلنا فما هي؟ وكم هي إرادة أرادها
تعالى
قلنا فان قالوا من الخلق أن يأمرهم وينهاهم ولا يجبرهم ولا يكرهم.
نعم
فهل أحب الله تعالى أم إنما أراد من الخلق فى أمره ونهيه؟ فان قالوا نعم.
(1) سورة البقرة: آية.
20