الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٧٠--
270
ولم آخذك على غرتك ولم أكلفك فوق طاعتك ولم أحملك من الأمانة إلا قدرت به على نفسك. وعن ابن عباس أنه قال: «الخلق لما علم الله منهم منقادون وعلى ما سطر فى المكنون من كتابه ماضون لا يعلمون خلاف ما منهم علم ولا غيره يريدون فلا مشيئة للعباد خلاف ما شاء الله». وكذلك قال الله في كتابه: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) (1). وقد شاء العباد على المعاصى فلا يبلغون مشيئتهم حيث لم يشأ الله الذي شاءوا، وقال تعالى: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكتر هم يجهلون) (2). وقوله تعالى قبلا أي قبيلا، وفسر بعضهم أى عياناً، أى يستقبلون كذلك، فهذا دليل على أنه لم يشأ لأنه لو شاء أن يؤمنوا لم يقل، إلا أن يشاء الله، وقد شاء واهم فلم يكونوا ما شاءوا. ومن صفات الله تعالى أن يفعل ما يشاء وما يريد، ليس لأحد أن يفعل ما يشاء وما يريد غيره لقوله عز وجل: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) (3). ففى هذا تثبيت لمشيئة الله تعالى وإرادته تعالى وإبطال لقول من قال إن العباد يفعلون ما يشاءون ويريدون، والقدرة والمشيئة والإرادة الله تعالى لا لغيره سبحانه جل وعلا علواً كبيراً!! ولم يعمل أحد من للعباد عملا من خير أو شر أو طاعة أو معصية إلا وقد شاءها الله تعالى لا مشيئة محبة ولكن مشيئة إرادة.
"
مسألة: فان قال قائل الله تعالى يشاء من المشركين الشرك، قيل له نعم. فان قال فما الدليل؟ قيل له قوله عز وجل ولو شاء الله ما أشركوا، ولو شاء الله ما فعلوا، ولو شئنا لاتينا كل نفس هداها، فهذا كله دليل على أنه شاء ما فعلوه وإذا شاء 207 ذلك فقد أراده، والإرادة والمشيئة هما صفتا ذات لا صفتا فعل كالعلم والقدرة. والدليل على أن الله تعالى لم يشا الإيمان
(1) سورة التكوير: آية 29. (2) سورة الأنعام: آية 111. (3) سورة التكوير: آية 29.