الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٧١-
271
—
كلهم
من الخلق كلهم قوله عز وجل: (ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض جميعاً) (1). فهذا دليل على أنه لم يشأ أن يؤمنوا جميعاً لأنه قد أخبر تعالى أنه لو شاء لآمنوا جميعاً، علمنا أنه لم يشأ أن يؤمنوا. فان قال لو شاء لآمنوا بالحبر، قيل له إن الإيمان قد يكون بالجبر وبغير جبر، فليس لك أن تزعم أن معنى هذا خاص لا بأنه يدل على خصوص هذه الآية، وأما الله تعالى فلم يجبر أحداً وإنما آمن من آمن مختار غير مجبر، وقد قال عز وجل: إن هذه تذكرة (فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله) (2) ففى هذا تثبيت المشيئة وأنه لا يكون إلا ما علم وشاء وأراد، وإبطال قول من زعم أنهم يفعلون خلاف ما علم الله تعالى منهم وأراد.
مسألة: ومما يدل على أنه لا شيء مخلوقاً مراداً إلا والله تعالى مريد له قوله تعالى: (ولا تقولن لشيء إنى فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله ((3) مخبراً أنه لا يكون شيء فى الأرض أو شاء أحد إلا أن يشاء الله، وقوله تعالى: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله ((4) فأخبر أنه إنشاء شيئاً فيكون ولا يكون إلا أن يشاء كونه. وهذه آيات محكمات وأجمع أهل الفقه بأسرهم لو أن رجلا قال لرجل عليه دين له والله لأعطيك حقك غداً إن شاءثم أصبح ولم يعطه، أنه غير حانث باجماع الأمة وفقهاء الأمصار والتابعين لا خلاف بينهم في ذلك بأن الله تعالى لو شاء أن يعطيه لأعطاه، فعلم بذلك وبكتاب الله تعالى وأنه لا يكون ما لم يشأ لأن الله تعالى لو شاء أن يعطيه حقه فلم يعطه لكان عبداً حانثاً في يمينه. فلما أجمع فقهاء الأمصار أنه لو جاء الوقت في غد ولم يعطه ما كان حانثاً كان ذلك أدل الدليل على أن الله تعالى لو يشاءه لكان معظماً له، فلا يكون في الأرض إلا ما شاء الله، ولم لو يكن إلا هذا الدليل لوجب كون الإرادة
(1) سورة يونس: آية 99.
(2) سورة المدثر: آيتا: 55 - 56. (3) سورة الكهف: آيتا 23 - 24.
(4) سورة التكوير: آية 29.