الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣١٦316
-
بيناً ساطعاً
فعلم
ودليل ثان أن موسى عليه السلام لما سمع كلام الله سمع كلاماً قاطعاً ودليلا أن الذي كلمه رب العالمين، فقال: (رب اشرح لي صدري. ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني) (1)، وكان في لسانه عقدة في حال الصبا كان قد احترق لسانه وله خبر، وليس هذا موضعه، وما كان يفصح الله صدره في الحال أمره. ه وزال العقدة من ويسر
العقدة الكلام من فشرح لسانه في الحال، فعلم أن الذى كلمه رب العالمين، لأن قدرة الخلق لا تنال ذلك أبداً، وإنما هو صنع الله الواحد القهار. إن قال قائل كيف يكون الكلام بلا صوت ولا حرف؟ قيل له إنه كلام أزلى قديم لا يتكيف، ولو تكيف لتصور وكل متصور فمخلوق، وكلام الله عز وجل لا يشبه كلام المخلوقين جل وعلا علواً كبيراً!!
مسألة: فان قال قائل زدنى إيضاحاً، قيل له إن الكلام عند العرب ينقسم على ثمانية أقسام فى المنظوم والمنثور، فالمنثور ينقسم على أربعة أنواع فمنه الحديث الذي يتفاوضه الناس فيما بينهم، ومنه الخبر وهو ما أخبرك به الرجل عن غيره، ومنه الخطب وهو كلام مجموع في أمره مقصود طال أو قصر، ومنه الرسائل وهو ما كان من الكلام موجهاً به إلى إنسان أو مكتوباً إليه في أمر أو نهى أو موعظة أو ما أشبه ذلك. والمنظوم أيضاً ينقسم على أربعة اع فمنه الشعر والرجز والسجع والمزدوج، وكلام الله تعالى خارج من جملة هذه الأجناس ومفارق الجميع كلام الناس. فان قال أحد أنه يشبه هذه الأقسام فليقم دليلا واضحاً وبرهاناً بيناً لائحاً، وإلا فليقبل الحق ممن جاء به وبالله التوفيق.
242
مسألة: واعلموا أن الكلام الذى عن العرب بيناه وشرحناه في الأقسام يتشعب بأربعة أنواع فتارة يكون بالصوت والحرف كالمتكلم بلسانه، وتارة بالصوت بغير حرف كالمزمار والقصبة، وتارة بالحرف بغير صوت كالكتاب يكتب إلى من شئت بأى أمر شئت. وتارة بلا صوت ولاحرف وهو الإشارة،
(1) سورة طه: الآيات 25 - 27.