الكشف والبيان محمد بن سعيد الأزدي القلهاتي أبو عبد الله

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٠٩

-1·9~

الله - فلم يزل يسير إلى أن بلغ عرنة من عرفات ومعه فيل اسمه محمود، وسائسه يقال له أنيس. فلما وصل الفيل إلى أن قرب من الحرم وضرب بجرانه (1) الأرض، وكلما عالجه إلى الحرم رجع إلى أرض اليمن يهرول. وكان لعبد المطلب مائة ناقة ترعى بعرفات الأراك (2) فأخذوها. فجاء راعيها لعبد المطلب على فرس وهو يقول: ياصباحاه!! يا صباحاه!! فخرجوا 56 إليه وقد ذعروا فقالوا له: ويلك ما وراك؟! فقال: تركت جيشاً قد نزل بعرفة ببطن عرنة وهو جيش أبي ابكشوم الحبشى بعساكره و جنده (3)، وقال لعبد المطلب: إن إبلك قد أخذت

فركب عبد المطلب على الفرس التي كانت تحت العبد، وأقبل إلى نحو العسكر وحمل عبد الله وأبا طالب معه. فلما أتى العسكر إذا برجل عليه عمامة من برود اليمن يقال له شرحبيل بن حجر من ملوك كندة، وكان صديقاً لعبد المطلب، فقال شرحبيل: يا عبد المطلب النجا النجا!! الحذر الحذر!! ارجع إلى مكة وكن على حذر!! فقال عبد المطلب: إنى قد فقدت إبلى. فقال له: يا عبد المطلب إبلك قد أخذت وأنت ارجع إلى قومك. فقال عبد المطلب: إلا: أرجع إلا بأبلى وإلا يأخذونى منها. فلما أبى عليه أدخله شرحبيل بن حجر الكندى على أبرهة وقال له: هذا

(1) الجران: مقدم العنق.

(2) الأراك: نوع من الشجر

حمير

(3) بلغت الحبشة حداً من القوة فى القرن الأول الميلادى جعلها تطمع في الاستيلاء على اليمن، وتتابعت الحروب رب بين الحبشة واليمن منذ بداية القرن الثانى الميلادى. أما الفتح الحبشي الرئيسي لليمن – وهو الفتح الذي ذكره المؤرخون العرب – فقد حدث في سنة 523 م في عهد ملك يوسف ذي نواس، أو دميانوس، كما يسميه المؤلفون اليونانيون. والحق أن هذا الفتح كان الحلقة الأخيرة في النزاع بين اليهودية والمسيحية في بلاد اليمن. وكانت الحبشة وبيزنطة تعضدان المسيحيين في اليمن، أما الفرس فكانوا يعضدون اليهودية في اليمن. ولم تكن بيزنطة تشجع الحبشة على قتال دولة حمير لحماية المسيحيين فحسب، بل كانت ترمى بذلك إلى تحقيق هدفها في السيطرة على تجارة الشرق.