الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٦٠بين
بدل على أن الله تعالى هو الخالق لكل شيء، وهو أنه إذا وضعت نطفة يدى الخلق جميعاً حيث يرونها ويمسونها لم يقدروا أن يخلقوا لها عظماً ولا لحما
ولا شعراً ولا بشراً ولا حياة ولا قدرة، فكيف إذا كانت في ظلمة الرحم وبينها وبينهم الحجب الكثيرة فهم عن صنعها أعجز، وعن تدبيرها أبعد، فعلمنا أن من جعل النطفة خلقاً كاملا، هو الله الواحد الذي ليس كمثله شيء فان قال أخبروني أخلق الله تعالى الأشياء من شيء أم من لاشيء؟ قيل له: لا من شيء خلقها. فان قال فما الدليل على ذلك؟ قيل له لأنه لا يخلو إلا من حالين: إما أن يكون خلقها من أصل كان معه أو خلقها لا من شيء. فان كان خلقها من أشياء كانت معه فليس تخلو تلك الأشياء من أن تكون خلقت من أشياء كانت قبلها أو خلقت من لا شيء قبلها 37 كان الكلام في ذلك الشيء كالكلام فيها. وهذا يؤول إلى الفساد وإلى ما لا يصح ولا يجوز أن يتوقف عند آخره لأن هذا يؤدى إلى ما لا نهاية له. فان قال خلقت من أشياء كانت قبلها؛ وإذا كان الشيء لا يتناهى ولا يتوقف عند آخره لم يجهل العلم به. فلما فسد هذا الوجه بان بطلانه فيما بيناه صح الوجه الآخر من أنه تبارك وتعالى خلق الأشياء واخترع أعيانها وأخرجها من العدم إلى الوجود لامن شيء. لأنه إذا كان لابد من القول بأحد الوجهين وفسد أحدهما صح الآخر فان قال: فما يدريكم لعل الأشياء أحدثت نفسها؟ قيل له لو كانت أحدثت
نفسها لم يخل ذلك من أحد أمرين: إما أن يكون أحدثت نفسها في حال وجودها أو في حال عدمها، فان كانت أحدثت نفسها في حال وجودها
فوجودها يغنى عن إيجادها مرة أخرى، لأن الموجود مستغن عن الوجود
وإنما يوجد المعدوم لأنه يصير موجوداً بعد أن كان معدوماً؛ ولو كانت أحدثت نفسها في حال عدمها لكان المعدوم فاعلا، ولو كان كذلك لكان لا فرق بين المعدوم والموجود فى الفعل والعلم والإرادة. فلما بطل أن يكون المعدوم يفعل شيئاً أو يحدث مثله شيء صح أن الأشياء إنما أحدثها محمدتها ونقلها من العدم إلى الوجود موجدها، وهو الله سبحانه وتعالى:
: