الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٢٠في التأويل في ذلك، وأن نوحاً عليه السلام لم يكن يعلم الغيب، ولكن ما قال الله إنه (لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) (1) علم صلى الله عليه وسلم أنه لا يولد منهم إلا من كان فاجراً كفاراً. فأخبر جل ذكره أن ولد الكافر كافر مثله إذا بلغ وفعل الكفر والفجور. ألا ترى إلى قوله: (إنا خلقنا الإنسان) (2) (أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فاذا هو خصيم مبين) (3)، إخباراً عن العاقبة ليس يريد أنه خصيم مبين فى حال طفولته ولا في حال ما هو نطفة وإنما يكون خصيما مبيناً إذا بلغ و عاند وكفر، وإن قال ما أنكرت أن يكون أطفال المشركين وأطفال المنافقين يستحقون العذاب لعلم الله فيهم وعلمه بعاقبة أمرهم وأنه لو أبقاهم لكفروا؟ قيل له لو جاز هذا الجاز أن يعذب سائر المؤمنين لعلمه بهم أن لو بسط الرزق لهم كما قال سبحانه وتعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الأرض ((4) وكان يعذبهم على البغى الذي علمه بهم إذا بسط الرزق عليهم، فهذا يدل على صحة ما قلنا وبالله التوفيق.
فان قال قائل ما أنكرتم أن يكون الاقتصار على لزوم الفرائص والتميام بها وترك الخوض فيما لا يتعبد الإنسان بعلمه أفضل له وأولى من طلب استفادة علمه لو لم يعلمه كان سالماً، إذا كان الخطر فى ذلك متوجهاً غير مأمون منه، وقد وجدنا كثيراً من الناس طلبوا الفضل والازدياد فأداهم ذلك إلى الخطر العظيم والخطأ الذميم، ولم يعذروا على ذلك؟ قيل له هذا خطأ منك وممن ذهب إلى ما ذهبت إليه، والدليل 166] على هذا قول الله تبارك وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط) (5) وقوله سبحانه: (وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) (6). فمن القيام بالقسط وطلب الخير طالب
(1) سورة هود: آية 36. (2) سورة الإنسان: آية 2.
(3) سورة يس: آية 77.
(4) سورة الشورى: آية 27.
(5) سورة المائدة: آية، وفي المخطوطة لم يذكر سهواً «لله شهداء»
(6) سورة الحج: آية 77.