الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٢٩—
329
-
ولو أن قائلا قال أفعال العباد خير من فعل الله لأنهم يزعمون أن الصلاة من أفعالهم وخلقهم وليست من فعل الله ولا من خلقه، ويقرون ويعترفون أن القردة والخنازير والشياطين والكفار وإبليس من خلق الله وفعله، وقد يعلم أولوا الألباب أن الصلاة خير من القردة والخنازير فصار فعل العباد وسنعهم خيراً من خلق الله وصنعه، فهل سمعتم أعظم إفكاً وإفتراء على الله من هؤلاء القدرية السفهاء ومن قال بمثل قولهم؟!
وقال المسلمون من أهل الاستقامة إن الأشياء لا تكون إلا بإرادة الله ومشيئته فيها وكل كائن فقد شاء الله أن يكون على ما هو عليه، إن كان خيراً ممن كان منه فقد أراد أن يكون خيراً ممن كان منه، وإن كان شراً فقد أراد أن يكون شراً قبيحاً ممن كان منه. والدليل على أنه لا يكون 166 إلا ما أراد الله سبحانه وتعالى، قول الأمة والناس جميعهم ما شاء الله كان ومن لم يشأ لم يكن، وليس من شيء كان أو لم يكن إلا والله أراد لما كان أن يكون وما لم يكن لا يكون، فمن وصف ربه بغير هذه الصفة فقد افترى إثماً عظما، ووصف الله بغير صفته. وزعموا أن الله أراد من العباد كلهم الإيمان، وقد علم أهل العقل، كلهم لم يكن منهم الإيمان وقد كان من بعضهم الكفر فقد كان غير ما أراد الله لأنه بزعمهم أراد أمراً فلم يكن ما أراد، وهذه صفة المغلوب المقهور المكره، لأن كل من أراد شيئاً فلم يكن ما أراد وكان خلاف ما أراد فقد غلب وأكره، فكفى بهذا من القول فحشاً بل جل ربنا عن هذه الصفة أن يكون يريد شيئاً فيكون غير ما يريد!!! بل هو المريد لجميع الأشياء.
ومن قولهم واعتقادهم أن الاستطاعة قبل الفعل. وقال المسلمون أهل الاستقامة إن الاستطاعة غير المستطيع وإنها تكون مع الفعل للفعل وإن الله سبحانه وتعالى يحدثها مع الفعل ولا يكون إلا فعل واحد، والاستطاعة معنا على ضربين فمنها نعمة ومنها بلية، فأما النعمة فهي التي يعمل بها الطاعة، وأما البلية فهي التي يعمل بها المعصية وقد ذكرت جميع ذلك في باب الاستطاعة من هذا الكتاب: