المصنف أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

المقدمات والجزء 1

الجزء ١ · صفحة ٣٠

المصنف

المجلد الأول

«ووجه قول أبي عبيدة في المياه ووقوع النجاسات فيها، أن كل ماء حلته النجاسة فغيرت طعمه أو لونه أو ريحه فالماء نجس، وإن لم تغير له لونًا ولا طعما ولا ريحًا، فهو طاهر، وغير منتقل عن حكمه الأول.

فإن كانت النجاسة جامدة أخرجت من الماء واعتبر حاله بعدها، وحُكم له بحكم اسمه.

وإن كانت النجاسة مائعة واكتسبت صفات الماء فقد صارت ماء، لأنه تَغَيَّر الجوهر بالصفات، وتكسوها الأسماء، لأن الأسماء ليست مأخوذة من طريق الكيل أو الوزن، وإنما تتعلّق بالأسماء من طريق الصفات.

ولو جعل الله تعالى البول من غير حلول ماء قد سُمّي ماء، وجواز استعماله لاستحقاقه اسم الماء، ألا ترى أن البول قد كان ماء، فلما اكتسى صفات البول، صار بولا، والجوهر واحد.

وكذلك الطعام إذا اكتسى صفات النجو صار نجوا، وإن كان الجوهر واحدا. وقد ذكر بعض المفسرين قول الله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: 24]، قال: عَذِرَتُه، وكأنه قال ـ والله أعلم -: الذي كان طعامه.

-

وكذلك عصير العنب يُسمّى عصيرًا من طريق الصفات، فإذا انتقلت أوصافه إلى أوصاف الخمر سُمّي خمرًا، وحُرِّم بعد أن كان حلالا، والجوهر واحد. وإن اكتسى الخمر صفات الخلِّ سُمّي خلا، لانتقاله إلى صفات الخل، فصار حلالا بعد أن كان حراما، والجوهر واحد.

وإذا كان الأمر على ما قلناه فالتحريم والتحليل معلّق بالأسماء، والأسماء مأخوذة من طريق الصفات» (1).

(1) أحمد الكندي، المصنف، ج 3.