المصنف أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

المقدمات والجزء 1

الجزء ١ · صفحة ٣٢

32

المصنف

المجلد الأول

ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، وإن أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم فهذا مستطيع للصلاة، معذور عن الطهارة» (1). ومن الطريف ما رآه من جواز الاستعانة بغير المسلمين لبناء المساجد. قائلًا: ولا بأس بما أعان أهل الذمة وغيرهم من المجوس والصابئين في عمارة المسجد، ولا بأس بعمارته من مالهم

فهذا رأي منفتح يجيز مشاركة غير المسلمين في بناء المساجد، تحفيزا لهم

على فعل الخير، ولعله يكون سببًا لهدايتهم.

ويستمر حضور المقاصد في مجال الصلاة في نماذج نابضة بالفقه وبعد

النظر؛ وإدراك لغايات التشريع.

يقول الكندي: ومن حضرته الصّلاة فجاء رجل منعه من الصلاة فقال: لا أتركك تصلي حتى تعطيني دينارا، فإن كان يقدر على الدينار ولا يضرّ به ولا بعياله؛ فعليه دفع الدينار إليه ويصلّي.

فإن قال قائل: لِمَ أوجبت عليه دفع الدينار وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال؟ وهذا يُطلب منه باطلا، وكأنه بدفعه إليه كالمضيّع لماله!

قيل له: ليس هذا مضيّعًا، وهذا مُحرز لدينه ما لا يضره، والواجب عليه ألّا يهلك نفسه وهو يقدر على فدائها، ولا شيء أكثر هلاگا من الدين، وهذا لا ينقص ماله دفع هذا المقدار الذي يطلبه إليه وعليه أن يفدي نفسه ودينه بما لا يضر به ولو طلب إليه أكثر ممّا ذكرناه إذا كان يقدر على ذلك، لأنّ الله تعالى قال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اللَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195].

وهذا منهي أن يُهلك نفسه بفساد دينه وهو يقدر على فدائه. فإذا لم يكن معه إلّا ما يخاف أن يضرّ به وبعياله إن سلّم إليه ما يطلب فليس عليه ذلك،

(1) أحمد الكندي، المصنف، ج 3. (2) أحمد الكندي، المصنف، ج 19.