الجزء 11 والجزء 12
الجزء ٨ · صفحة ٣٢الجزء الحادي عشر - باب [6]: في فضل الشهداء
31
فصل:
عن أبي قدامة الشامي قال: خرجنا للغزو، فأمرني) الأمين على الشاقة، فسرنا حتى كنا بموضع يقال له: (عين زرب) إذا (2) بامرأة تهتف بي من خلفي: يا أبا قدامة. فنظرت فإذا بامرأة لم أر مثلها، فخفت أن يكون حبالة الشّيطان، فما اكترثت لها فمضيت فنادتني ثانية بصوت حزين، فقالت: يا أبا قدامة ليس كان قبلك من كان قبلك (3). فوقفت لها على قارعة الطريق، فإذا عيناها تهملان، فأخرجت من جيبها خرقًا ملوية فقالت: يا أبا قدامة جززت ناصيتي قيدا لفرس الغازي في سبيل الله، فإذا انطلق فرسك، فقيّده بهذا القيد ليلة لعلّ الله أن شعر حرّة مؤمنة فيرحمني. قال: فأخذتها، ومضيت قليلا، فإذا بغلام يناديني، وعنده مديّة، فوقفت، فقال لي: اقتل بهذه المدية علجًا.
فقلت: يا بني إن يوم الواقعة أشدّ من ذلك. فلم يزل يناشدني حتى نودي بالنفير، وتركني ومضى إلى المعركة، فلم يزل يضرب يمنة ويسرة حتى كسرت المدية، فرجع إليّ، وقال: يا أبا قدامة أقرضني ثلاثة أسهم.
فقلت: يا بني ليس هنا موضع ذلك، فلم يزل يناشدني حتى أعطيته ثلاثة أسهم وقوسًا على أنّه إن استشهد كنت في شفاعته. فمضى الغلام فرمى واحدًا فقتل علجا، ثم رمى الثاني فقتل آخر. ورجع وسلّم علي سلام مودّع، فلمّا وضع الشهم في كبد القوس ليرمي أتاه مزراق قصد بين عينيه، وخرّ مغشيًّا وهو يقول: نجوت ورب الكعبة. فلما انكشفت قتام الحرب، دعوت بمن ينظر القتلى، فإذا هو في
(1) في م «فأمرنا» ويبدو أنه أصح.
(2) في ب «إذا». (3) ناقصة من م.
الأحياء.