الجزء الثامن والتاسع
الجزء ٨ · صفحة ٦١الباب العشرون: في الإمامة
61
ومن عليهم بالثبات ورزقهم الصبر حتى صبروا في مواطن القتال، ولم يولوا الأدبار، ولم يتعرضوا للعنة، وسكنى دار البوار فرحمهم الله ورزقنا ما رزقهم ومنّ علينا بالذي منّ عليهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على رسوله محمد النبي وعليه السلام.
ومن سيرة أبي جابر محمد بن جعفر سمعت أنها لأبي المؤثر كتبها إليه والله أعلم هذا فصل منها ومن ذلك أن عزان بن الهزبر لما جمع الناس لينشروا عليه في محاربة الأجناد لما ساروا، وكنت أنت المجيب له فقلت له فالمأثور عن العلماء أن الحرب إذا لم يرجع نفعها تركت لئلا يغر بالأرامل والضعاف، وأن هؤلاء القوم لا يطلبون ثأرًا ولا دمًا ويطلبون المال فعل ذلك غيرك ولا تدخل أنت فيه واعتزل عنهم، فإذا انصرفوا فارجع إلى مكانك فهذا هو الإفك المبين والبهتان العظيم، فأي المسلمين أثر الذي رويته وأي المسلمين أشار بالذي رأيته، كبر مقتا عند الله أن يشار على إمام قطع الشرى في سبيل الله وباع الله نفسه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيشار عليه بترك حقوق الله، ويتولى عن حرب عدوه ويضيع أمانته ويدع رعيته التي قد لزمته، ذمتهم، ووجب حمايتهم وقد بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أراد الخروج إلى بدر الصغرى (1) اشتد على أصحابه وكرهوا الخروج معه وطلبوا إليه أن يكف عن الخروج في عامة ذلك لما خافوا من كثرة الناس، وشدة البأس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الأخرجن إليهم ولو بنفسي وحدي» وما قال ذلك إلا أنه يفعل فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ناس قليل فأثنى الله عليهم ثناء حسنا فقال: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ له فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ
(1) بدر الصغرى: هي حمراء الأسد التي جمع فيها المشركون بقيادة أبي سفيان الرجوع للمدينة بعد غزوة أحد.