الجزء الثامن والتاسع
الجزء ٨ · صفحة ٣٤٧الباب الثاني والثلاثون في ذكر ضمان وزياداته
347
صلح
فإذا خرجوا خرجوا بصدق وإخلاص ونية وإخبات وخوف من الله ووجل شديد يسألون الله قتلا في سبيل الله، ولا يطلبون البقاء في الدنيا فقد تفرغوا وفرغوا أنفسهم للقاء الله، كذلك يخبر الله عليهم مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 23]. لم ينفضوا دعوتهم ولم يخونوا ربهم ولم يرضوا بالدنيا لأنفسهم، بل كانوا يدعون الله ويسألونه صباحًا ومساءً أن يعجلهم من الدنيا قتلًا في سبيله لما يرجون تجارة لن تبور، حملة للعلم وصفة للفهم وإثارة الدين والخبرة من العبادة والتقية من السوادة خائفة أحشاءهم وجلت قلوبهم مرتعدة فرائصهم باكية أعينهم، حسن سمتهم يحبهم من أحب الله ويأمن بقربهم ويستأنس من دَنا منهم ليسوا بأهل بطر ولا أشر ولا تجسس ولا أعلل ولا أذى للناس. قال الله جل ذكره: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83] يحبون أن يطاع الله ولا يعصى، يقبلون على من أحسن إليهم، ولا يعجلون على من أدبر حتى يعذروا ويدعوا، كذلك كانوا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]. يقبلون الحق ممن جاء به ويكونون معه ولو كان بعيدًا بغيضًا ويردون الباطل عن من جاء به وإن كان حبيبا قريبًا، لا يؤذون جارًا، ولا يقطعون رحمًا، ولا يشهدون زورًا، ولا يقولون كذبًا، ولا يستحلون ما حرم الله عليهم، قد جادوا بأنفسهم وهم يذكرون الآخرة، مشتغلون عن الدنيا غافلون لا يحكمون بشاهد على غائب في أموال الناس دون أن يحضر الخصومة إليهم كلهم ويقضون الناس الحقوق من بعضهم بعض بالعدل من، البينة ولا يوازرون ظالمًا على ظلمه ولا يمنعون طالبًا طلبته إليهم ولا إلى غيرهم. يقيمون الحدود ويضعون الأمور مواضعها سهلة دعوتهم، رفيقة سياستهم، أهل بر وتراحم وعلم وعفاف، ورفق وستر، وتوبة إلى الله، ومجانبة للهوى وقال الله تبارك وتعالى: إنَّ الله اشترى من الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَاهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ