الجزء الثامن عشر
الجزء ١٨ · صفحة ٥٤54
-
فضل عن قدر ما يجزيه سكنه، وسكن من يلزمه سكنه، بيع عليه فضل منزله، وليس له مما في يده بعد هذا الا قوت يومه، ويدفع الى الناس حقوقهم الى لعله الا أن يطيبوا له نفسا بتأخير ذلك، ولا أرى عليه أن يدفع قوت يومه، ولا يبين لى أن يمسك مما في يده من اليسرة والمال الحاضر، أكثر من قوت يومه، لأنه مال محاط به فى الحقوق التي أوجبها عليه، ألا ترى أنه لو مات لم يكن لورثته من المال قليل ولا كثير ولا منزل ولا غيره الا من بعد وفاء الحقوق التي عليه حتى انهم قد اختلفوا في كفنه اذا لم يكن له كفن يفضل للغرماء حقوقهم
وقال من قال: يدفع ذلك الثوب في دينه، ويقبر عريانا، لأن الله لا يسأله يوم القيامة اذا قبر عريانا، ويسأله عن حقوق الناس، وانما جعل له من ماله فى حياته مالا قوام الا به فى وقته ذلك، وفى ساعته تلك، وقد جاء الأثر: أن مطل الغنى ظلم منه لغريمه، وكذلك المعسر ظلم من غريمه له، فالفرض على المسر أن يبذل مجهوده بغير مخادعة، ولا التواء ولا طربا لعرض الحياة الدنيا، وعلى الغريم النظر للمعسر، كما أمره الله قال: (وان كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة).
فلا يجوز للغريم أن يقصر عن أداء الحقوق التي عليه الا أن يعسر
بها أو يعذره الغرماء فى ذلك، وعلى الغريم أن يتفقد حال غريمه، وأن لا يكده فى حال عسرته، وعلى الجميع الانصاف من نفسه، ويحكم عليها بما يحكم الله به عليه والمسلمون، ولو لم يحكم عليه بذلك حاكم عدل فعليه هو أن يحكم على نفسه بما يحكم عليه حاكم العدل أن لو حاكمه خصمه الى الحاكم، وبذلك أمره الله حيث يقول: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين)
المعنى في التايل، والله أعلم، أنه أولى من يقوم المرء عليه بالعدل