التاريخ الإسلامي كيف نقرؤه حوار فوزي مع الجعبيري
الجزء ١ · صفحة ٥- الإسرائيليات داء عياء عند المؤرخين المسلمين، هؤلاء الناس حاولوا أن يفهموا بعض الأحداث، واعتمدوا في ذلك على روايات متعددة، ويا ليت الأمر وقف عند كُتُب التاريخ، وإنما نجد أن كُتب التفسير هي أيضا طافحة بهذه الإسرائيليات، وهذا مطبٌّ يمكن أن يُعزى لغفلة المؤرخين المسلمين، ويمكن أن يعزى لكيد الكائدين من اليهود الذين لم يتمكَّنوا من إيقاف الزحف الإسلامي فتحوَّلوا في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الكيد.
ومعروف أن القرآن الكريم في قصص الأنبياء يكتفي بالتلميح؛ لأن الغرض القرآني إنما هو دفع الإنسان للاعتبار فلا يذكر الأسماء، ولا يذكر أسماء الأشخاص، ولا يذكر أسماء الأماكن، فانساب المؤرخون والمفسرون من الاستفادة من كتب المتقدمين، ومن بينها كتب بني إسرائيل وتفسيرٌ للتوراة وإضافات وما إلى ذلك، وكأنَّ ذلك كان محبَّذًا عند الناس لأن تكتمل قصة سيدنا نوح عليه السلام، وأن تكتمل قصص بقية الأنبياء، فوضعوا هذه الإضافات على أنها من باب التفسير، ومن باب التعريف، ومن باب ذكر الأسماء، والمؤرخون طبعا انسابوا في هذا غاية الانسياب، فطبعا اليوم تصفية الغث من السمين بالنسبة إلى هذه الأخبار - كما ذكرت - يحتاج إلى أن يقاس بالنصوص القرآنية، وأن يكتفي المسلمون في أخبار المتقدمين بما جاء مقدَّسا لا نقاش فيه، والبقية كلها يجب أن تُنزع من صفحات كتاباتنا المعاصرة، وفعلا الفكر المعاصر الآن تخلَّص من هذه النزعة التي سادت في فترة من فترات مؤرخينا، هذه الفكرة الثاقبة الآن التي ندعو إليها هي أن الإنسان من واجبه في كتابة التاريخ أن لا يعتمد على القصص الخرافية والأسطورية وما إلى ذلك، عقليةٌ تجاوزها الزمن كانت سائدة فعلا لدى هذه الكتابات، وموقفنا منها موقف الحذف التامِّ؛ لأنها لا تزيد في التاريخ شيئا.