التاريخ الإسلامي كيف نقرؤه (حوار مع الجعبيري) فرحات بن علي الجعبيري

التاريخ الإسلامي كيف نقرؤه حوار فوزي مع الجعبيري

الجزء ١ · صفحة ٦

وهذه الدسائس الإسرائيلية استمرت أيضا مع التاريخ الإسلامي وأحواله من روايات يُعجب بها المؤرخون، وتوجد في كتاباتهم، فليس من الصعب علينا أن نغربل هذه النصوص من هذه القضايا، وأن نكتفي بسرد الأحداث، والذي يبدو أنه يكون أقرب إلى الواقع، وكما ذكرت، المؤرخون يأخذ بعضهم عن بعض فيناقض بعضهم البعض، وبالمقارنات النقدية والتدقيق في ذلك قد نصل إلى جانب من الحقيقة، أما الوصول إلى الحقيقة كما هي فذلك ليس عملا بشريا، لماذا؟ لأن راوي الأحداث وهو يعيش الحدث، مثلا أنت تعيش اعتصاما أو مظاهرة - كما يقال اليوم - فأنت في الحدث في زاوية واحدة، والحدث يغطي المدينة كلها، فعندما تروي الحدث تروي الحدث من المكان الذي أنت فيه، فأنت صادق في ذلك، أو تأتيك الأخبار عما يقع في بقية الجهات، فروايتك عن الحدث الذي عشته وتعيشه صحيح، أما ما جاءك من أخبار فهو منقول يحتمل الصدق والكذب. وأنت أيضا في مكانك تنظر للحدث ليس من كل الأبعاد؛ لأن قدرتك العقلية والسمعية والبصرية لا تستوعب ذلك، فتنظر من زاوية واحدة وأنت تعيش الحدث فتنقل ما رأيته، ولعل الذي رأيته هو ضرب من التمويه من الذين يسيِّرون هذه المظاهرة، فتروي رواية يناقضك فيها واحد هو معك في نفس الساحة. وأنا أقول دائما لأبنائي الطلبة: آخذ كتابا مثلا وأقول انظروا إلى هذا الكتاب مستطيل فمن ينظر إلى مقدمة الكتاب يعطيك رواية، ومن ينظر إلى قفا الكتاب يعطيك صورة ثانية، ومن ينظر إلى الجهة المستطيلة الدقيقة من الكتاب يعطيك صورة أخرى، فحينئذ الكتاب عندما يُنظر إليه من زوايا يعطيك صورا متعددة والوصف يأتي مختلفا، فعلى القارئ الآن أن يتتبع عديدا من القراءات وعديدا من الروايات عسى أن يقترب من الحقيقة.

٦ / ٣٤