الفكر الإباضي ودوره في تأكيد الشخصية العمانية
الجزء ١ · صفحة ٢٥الإباضية، والمجتمعات التي سادتها، كانت في الأغلب عربية خالصة، وعلى رأسها عمان، التي منها خرج البيان العربي في أعرق ألحانه الشعرية، فكان طبيعيا وقد خالطت بشاشة الإيمان فيها القلوب، وحملت النفوس أمانة الدعوة، أن يصدر عنها وعمن يشاركونها موقفها، أدب رصين حى، يدفع عن قضية ويذود عن رأى، وهذا ما نجده فى خطب أبي حمزة وشعر عمران كما مر بنا، ونجده كذلك على لسان جابر وأبي عبيدة والربيع بن حبيب وإن غلب عليه الفقه أو الرواية أو أسلوب النصيحة والدعوة، ولا غرو فقد نشأ القوم في بيئة عربية خالصة، وخاضوا أهوالا، وكابدوا من البلاء أشكالا:
أقول لها وقد طارت شعاعا
من الأبطال ويحك لن تراعى
فإنك لو سألت بقاء يوم على الأجل الذي لك لن تطاعى
فصبرا في مجال الموت صبرا
فما نيل الخلود بمستطاع
ولا ثوب البقاء بثوب عز
فيطوى عن أخي الخنع البراع
سبيل الموت غاية كل حي
وداعيه لأهل الأرض داع
إن السليقة ناصعة وافرة، والتجارب دافقة زاخرة، والقضية شاهدة حاضرة، فكيف لا يجود الشعر ويحلو الكلام؟ فإذا ما ظهر الفقه واستحكم الجدل وذاعت الدعوة؛ جاءت أسباب جديدة وصيغ مستحدثة وأساليب مخترعة، لفن القول وتصريفه والسمو به
وكان الخوارج قد سبقوا إلى ذلك اللون الأخير، إذ كانوا أول من فتح باب الفلسفة الدينية، والفقه السياسي العقلى، وبذلك برهنوا على نفاذ في الفكر، وقوة في الاستدلال، وبراعة في إثارة المشكلات (1) حتى لقد ضاق بذلك البعض
(1) عمار طالبي 119 – 120.