التواصل المعرفي للمعارضة الإباضية في المشرق والمغرب خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى
الجزء ١ · صفحة ١٠التوحيد، ولا يتوافق معبودُه مع معبود الموحدين، لأنه وصف ربه بهيئة ما يكون من البشر.
ووضح هارون موقفه أكثر حينما ذكر مذهبه حيال المثبتين للصفات حسبما وردت في كتاب الله، كقوله تعالى: "لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ" (سورة ص: 75)، وقوله: "الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى" (سورة طه: 5) .. فقال عنهم: "لم نعده يتأول فيه خلاف الحق .. وهو موحد غير خارج من التوحيد".
ويبدو لي أن هناك توافقا مطلقا بين رأي محبوب وهارون من خلال الرسالتين، وأن كليهما ينسبان الشرك للمشبه، ويقران بتوحيد المتأول لصفات الله خطأ، مع احتمال أن تؤخذ بعض أقوال هارون على أنه يتحفظ في حق المخطئ في التأويل، لأنه صار في نظره يعبد غير الله الموصوف بصفات الكمال.
المسألة الثانية: تشريك من آمن بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، ونفى تعيينه بأنه محمد القرَشي
يستغرب هارون على محبوب الذي يحكم بالشرك على من "زعم أن محمدا الرسول حق، ولكنه غير الذي يعني ليس برسول، أنه مشرك"، ثم لا يحكم بالشرك على من شبه الله بخلقه.
بخلاف هارون الذي يقول: "كل يكون به عندنا مشرك: المتأول المخطئ في تأويله على الله، والمخطئ في تأويله على محمد". لأن من ادعى الإيمان بالرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم نفى أن يكون هو المعروف في السيرة والمتواتر عند المسلمين، فهذا إنكار للنبوة، وكذلك من شبه الله بخلقه فهو منكر لله، فكلاهما مشرك، والثاني أولى.
فهارون يعترض على محبوب في كونه لا يحكم على المشبه بالشرك، وهذا ما لم نفهمه، لأننا وجدنا محبوبا في رسالته إلى أهل عمان يقول صراحة: من قال: "له شبيه أو مثل أو نظير فهو بهذا مشرك"(1). وعليه فالعالمان حسب علمنا لهما رأيان متوافقان في تشريك من شبه الله، أو أنكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأي صيغة من صيغ الإنكار.
المسألة الثالثة: حكم المعصية غير المنصوص عليها.
أكد هارون أنه لا يتولى المرأة العابثة مع الرجال متهما خصمه بأنه نسب إليه ما لم يصرح به، فقال: "وأما ما ذكر من قولنا في المرأة التي يؤتى منها ما دون الفرج أنا نتولاها، فقد قال علينا في ذلك خلاف الحق، وليست هذه المرأة في وَلاية"(2).
ثم بين أنها في الوقوف فقال: "ولكنه أمر أشكل علينا وعلى من سبقنا من المسلمين ممن ذكر له أمرها، فلم نجدها بلغت حدا يجب عليها بفعلها كفرا وضلالا، فوقفنا عنها"، وقال أيضا: "ومما لم يجئ فيه وعيد من الله في كتابه، ولا حد في الدنيا ولا سنة من النبي … وقفنا فيه".