التواصل المعرفي للمعارضة الإباضية في المشرق والمغرب خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى
الجزء ١ · صفحة ١١ثم أخذ يشرح موقفه من الوقوف في مثل هذه المعصية، وعدم الحكم عليها بولاية أو براءة، فصرح بما يأتي:
- إن تكن بلغت بذلك كفرا، لم نتولها.
- إن لم يكن بلغ بها ذلك كفرا، لم نهلك بالبراءة منها.
فهارون أوضح أنه يتبرأ ممن ارتكب كبيرة تبلغ به كفرا -كفر نعمة- فلا يتولاه، أما من أتى ذنبا شبيها بالكبيرة فإنه يقف فيه ولا يتبرأ منه، لأنه يعتقد أن الحكم بالكفر والبراءة عند المسلمين –الإباضية- يصح فيمن "أتى كبيرة أوجب الله عليها النار، ومن أتى شيئا مما يجب به عليه حد في الدنيا مما سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الحدود"(1).
وبعد توضيح هارون لرأيه يفتح باب الرد على محبوب الذي يعتقد أن هذه المرأة كافرة عنده، معتمدا على قوله تعالى: "وَمَنْ يَّعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا" (سورة الجن: 23)، ويحاججه هارون بقوله: أكلُّ معصية كفر؟ ثم يعقب بأن الله قد أخبرنا بأمرين:
1 - أن للمؤمنين ذنوبا فقال: "اِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مَّدْخَلاً كَرِيمًا: (سورة النساء: 31).
2 - وأن للمؤمنين سيئات وهي معاص.
فهارون استنتج أن الله جعل للمؤمنين ذنوبا يعفو الله عنها باجتناب الكبائر، وسيئات تُحتم على مرتكبها التوبة، ثم وضح موقفه ببيان الأقسام الثلاثة للمعاصي:
1 - كبيرة مكفرة لأهلها، لما جاء فيها من الوعيد.
2 - كبيرة مشبَّهة بالكبيرة، لم يأت فيها حكم معلوم، فوقفنا.
3 - معصية صغيرة مغفورة، "اِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ" فقال: للمؤمنين صغائر من ذنوبهم معفو عنها ما لم يصروا عليها.
وبالتالي فإن الوقوف عن المعاصي التي لا نص فيها ضرورة شرعية، ومسألة عقدية لا مناص منها حتى لا يَكفُر من كان مؤمنا على حد قول هارون: "من أكفر مؤمنا فهو أولى بالكفر منه"، ولأن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لم يستتب المرأة المتهمة مع المغيرة بن شعبة ولا الشاهد الرابع لهما لأن المعصية لم تثبت لهم، فدل بذلك على عدم الحكم عليهم بالكفر ولا بالبراءة، وهذا بخلاف الشهود الثلاثة الآخرين فإن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - استتابهم وأقام عليهم الحد، وفعل نفس الشيء مع السارق.
ومن هذه الاستدلالات بين لنا هارون مستنده الشرعي في الوقوف عن حكم المعصية غير المنصوص عليها، وعدم الجزم بولاية مقترفها ولا ببراءته، وكذا عدم جره إلى الاستتابة من فعله، على خلاف تصريح محبوب بن
(1) السير والجوابات: 1/ 333.