التواصل المعرفي للمعارضة الإباضية في المشرق والمغرب خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى
الجزء ١ · صفحة ١٢الرحيل الذي يعتبر فعل المرأة مكفرا، وأن الإباضية "كانوا يتبرؤون من الواقعين في المعصية اشتهاء، ولو لم تكن من المعصية التي لها حد في الدنيا"، وأن حادثة المرأة التي عبثت مع الرجال لو وقعت في عهد عمر بن الخطاب "ما شك فيها، ولاوقف لعنها، وما [كان] ليتركها حتى يؤدبها بالضرب والحبس، ويستتيبها بما صنعت".
فالرأيان واضحان ومختلفان إزاء مسألة الحكم على المعصية التي لا نص فيها، فمحبوب يقر بالبراءة من المذنب، أما هارون فيدعو إلى الوقوف في حاله.
د) صحة نسبة الرسائل إلى أصحابها
باطلاعنا على الرسائل الثلاثة بين محبوب بن الرحيل وهارون بن اليمان يحق لنا أن نبدي رأينا حولها بعد سرد مجموعة من الملاحظات المركزة التي تعيننا في الحكم على صحة نسبة الرسائل إلى أصحابها، وهذا مجمل ما رصدناه:
1 - قرأنا الرسائل من كتاب السير والجوابات للمحققة سيدة إسماعيل كاشف، وهو كتاب يفتقر كثيرا إلى مواصفات التحقيق العلمي الرصين؛ حيث لم تشر المحققة إلى النسخ المعتمدة، ولا إلى مواصفاتها، ولم تقدم قراءة لها، ولا تبيانا لمعنى السير، ولا توضيحا للمشترك والمختلف بين هذه السير، فكان التحقيق عاريا من كل ما يعطي قيمة للكتاب بهيئة يرتضيها مؤلفه أو مؤلفوه.
2 - استنتجت المحققة في مقدمتها المقتضبة أن المخطوطة المعتمدة هي جمع لعدة أعمال فقالت عن ذلك: "وظاهر من المخطوطة أن السير جمعت"، واستدلت على استنتاجها بما وجدته في فهرس المخطوطة، "معرفة عدد ما جمع في هذا الكتاب من السير والجوابات عن العلماء والأيمة رحمهم الله".
ويبدو لنا أن المحققة تجزم بأن السير جمعها جامع لم تدر اسمه، عندما أسندت الأمر إلى الجامع في موضعين من كلامها، فقالت: "ثم يقول من جمعها: أول ذلك كتاب الأحداث والصفات"، وذكرت أيضا: "نرى جامع هذه السير، أو غيره، يكتب عنوانا آخر لهذه السير … ".
ونحتمل من خلال هذه النقول للمحققة في مقدمتها أن السير كانت مبثوثة ومنتشرة، فانبرى لها جامع ووضعها بين دفتين.
3 - بتصفحنا للرسائل الثلاثة لمحبوب وهارون ظهر لنا توافق بين هذه الرسائل، فيما يأتي:
- تتميز الرسائل بوحدة موضوعية متقاربة، وبأسلوب متشابه.
- تبتدئ كل رسالة بديباجة دعوية تتضمن الحمدله، ودعوى إلى التقوى، وحرص على تتبع سيرة أوائل المسلمين.
- ثبت لنا توافق رأي هارون ومحبوب في الرسالة الثالثة (رسالة هارون) بالخصوص حيال نسبة الشرك إلى المشبه، والحكم على المؤول لصفات الله بالخطأ، فلم ندر موطن الخلاف بعد جمع النصوص من الرسائل الثلاثة،