التواصل المعرفي للمعارضة الإباضية في المشرق والمغرب خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى
الجزء ١ · صفحة ١٥من خارج السير والجوابات- أن محبوبا لا يعد ذلك إصرارا، وبالتالي فإننا نرى أنه يعتقد أن الله سيعفو عن الذنب ولو بدون توبة إذا لم يستخف العبد بالذنب الصغير، وهي الحالة التي يتفق فيها مع هارون. ولو أن المتتبع للردود في السير والجوابات يلاحظ كأنه لا وجود لأي وفاق بين الطرفين.
وهذه المسألة بالذات طورت نقاشا خاصا بعمان، وذلك في عهد العالم هاشم بن غيلان بمدينة صحار، حتى دعا هاشم المختلفين في الموضوع إلى السكوت عن هذه المسألة(1)، نظرا لدقتها، وصعوبة نتائجها الواقعية(2).
3 - تساهلَ محبوب في صلاة الجمعة وراء أيمة غير إباضية ولو كانوا جبابرة، بينما تحفظ هارون من أدائها، وفي نظرنا أن هذه القضية هي نفسها التي أثيرت عند إباضية مزاب بعد استقلال الجزائر من الاستعمار الفرنسي، إذ ناقشوا وجوب أداء صلاة الجمعة وصحة صلاتها بعد استقلال الجزائر، لكون الحاكم الجزائري مسلما، مما شكل تيارين في مزاب بالخصوص؛ فأما التيار الإصلاحي فشرع في صلاتها على رأي محبوب، أما التيار المحافظ فلم يكن يرى ضرورة صلاتها سابقا، وهو نفس مذهب هارون بن اليمان. وقد كان لهذه المسألة صدى في عمان المعاصرة؛ بين من لم يقر بصلاة الجمعة لسقوط الإمامة الإباضية في عمان (من مناصري هذه الفكرة الشيخ الحارثي قبل وفاته)، وبين من أوجبها لإسلام السلطان الحاكم (المرجعيات العلمية المعاصرة).
4 - أما مسألة تشريك أهل القبلة في الصفات فلا نعلم بوقوع امتداد معاصر لها بعد نقاشها في العصر الأول، لاتفاق العلماء الإباضية على عدم الوقوع في خطأ الأزارقة الذين يحكمون على العصاة بالشرك، وإنما الإباضية كانوا ينفردون بإطلاق مسمى الكفر على المخطئ في العقيدة، باعتباره كافرا كفر نعمة كما هو مشهور في تحليل علماء التراث الإباضي قديما وحديثا. وكانوا أيضا يتحدون على عدم المهادنة في تسمية مشبه الله بخلقه بأنه مشرك باتفاق علماء المسلمين، وقواطع القرآن الكريم والسنة النبوية. وبالتالي فإن آراء هارون بن اليمان (إن صحت له) لم يعد لها امتداد واقعي بعد إثارتها في عهدها الأول.
3 - الاختلاف الحاصل بين تلاميذ الإمام أبي عبيدة مسلم:
إلى جانب العلماء المنقادين إلى سلطة الإمام أبي عبيدة وأوامره في البصرة، برز ثلة من تلاميذه استقلوا بأفكارهم في حياته، ثم ما لبثوا أن نشروا آراءهم بعد وفاة إمامهم وتوئلي الربيع بن حبيب إمامة الإباضية، وهؤلاء المنشقين هم: شعيب بن المعرَّف، وأبو المؤرج السدوسي، وعبد الله بن عبد العزيز.
(1) خميس الرستاقي: منهج الطالبين: 2/ 194؛ السالمي: تحفة الأعيان: 1/ 112.
(2) ولعل من الامتدادات الواقعية للمسألة في عصرنا الحاضر، ما أثاره بعض الشباب في مزاب الجزائر بداية هذا القرن، حيث دعوا إلى فكرة تسمى "الإحباط"، ثم تطورت بعد ذلك الدعوة إلى حلقات قرآنية لإثبات وترسيخ هذا المعتقد عند المتربصين، علما أن هؤلاء يتواصلون مع بعض المرجعيات العلمية في عمان لأجل تصحيح معتقد المزابيين في هذه القضية.