التواصل المعرفي للمعارضة الإباضية في المشرق والمغرب خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

التواصل المعرفي للمعارضة الإباضية في المشرق والمغرب خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى

الجزء ١ · صفحة ١٧

الخراساني، والحارث(1)، ولقد سجلت لنا الروايات التاريخة مناقشة حمزة الكوفي مع أبي عبيدة وحاجب الطائي، بينما لم يؤثر شيء عن بقية المختلفين، وخلاصة النقاش أنه دار حول نفي القدر وإثبات الفعل إلى العبد، كأنما هو تأثر بالمعتزلة الداعين إلى حرية الفعل الإنساني.

ذكر حمزة الكوفي لإمامه أبي عبيدة بأن الحب والرضى الإنسانيين أفعال صادرة منه، فرد عليه أبو عبيدة بأن نسبة هذه الأفعال إلى العباد تكون صحيحة مع اعتبار إثبات القدر، لأن فعل العبد لاحقٌ بعلم الله(2).

واستشهد حمزة الكوفي لحاجب الطائي بآيتين من القرآن(3)، يقول الله فيهما: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ (سورة النساء: 79)، وقوله أيضا: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (سورة البقرة: 286)، وهو استدلال يعبِّر عن اعتبار السيئة صادرة من نفس العبد، فرد عليه حاجبُ الطائي بأن استدلاله بهاتين الآيتين دليل على رأيه المعهود في القدر، والمتمثل في تهوين القدر احترازا من الجبر، فقال له: «أَمَّا مِن غيرك فمقبول منه هذه الجملة، وَأَمَّا منك فأنا أعرف مذهبك فيه أولا»(4).

ومن جراء هذا الاختلاف في القدر أصدر أبو عبيدة قرارا بهجران حمزة الكوفي، وبخاصة لما بدأ ينشر رأيه في النساء والضعفاء(5)، أَمَّا حاجب الطائي فقد دعا إلى الرفق بحمزة حينما سئل عنه، إذ قال: «أرفقوا بحمزة ولا تقولوا فيه إِلاَّ خيرا»(6).

(1) الشماخي: السير: 105، 120؛ وقد أبعدهم الإِبَاضِيَّة عنهم وتبرؤوا منهم، انظر: علي يحيى معمر: الإِبَاضِيَّة دراسة مركزة: 72.

(2) الدرجيني: طبقات المشايخ: 2/ 241.

(3) الدرجيني: طبقات المشايخ: 2/ 244.

(4) الدرجيني: طبقات المشايخ: 2/ 244. وتفسر السيئة في الآية بأنها المصائب والنقم لا الطاعات والمعاصي.

(5) الدرجيني: طبقات المشايخ: 2/ 241.

(6) الدرجيني: طبقات المشايخ: 2/ 244.

١٧ / ٣١