التواصل المعرفي للمعارضة الإباضية في المشرق والمغرب خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

التواصل المعرفي للمعارضة الإباضية في المشرق والمغرب خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى

الجزء ١ · صفحة ١٨

ج) الامتداد الواقعي لمسألة القدر

لا يختلف اثنان في أثر هذه المسألة في التاريخ الإسلامي وما تركته من انشقاقات داخل المذهب الواحد، وكيف كانت السياسة تستغل الخلاف لصالحها وتشيع هذه الفكرة، فتمكنت المعتزلة في القرون الثلاثة الهجرية الأولى من الانتشار في عمان وإثارة مسألة القدر بالخصوص، مما حمل علماء الإباضية العمانيين للتصدي لهم، ووقف تسويق فكرة القدر، وهذه أهم الوقائع:

- اضطر هاشم بن غيلان إلى بعث رسالة إلى الإمام الحاكم في عمان عبد الملك بن حميد (حكم بين 207 - 226هـ) يدعوه إلى الضغط على القدرية الذين أظهروا رأيهم في "توام" وغيرها من مدن عمان(1).

- استدعى الإمام الحاكم غسان في عمان (حكم بين 192 - 207هـ) رجلا معتزليا يسمى "بقيَّة" فأجَّله أربعة أشهر على أن يخرج من عمان، لأَنَّهُ كان يُظهر الاعتزال(2).

- وضع وائل بن أيوب الحضرمي القدرية في مرتبة من ينازع الله في سلطانه(3).

وهذه المواقف المتشددة من التيار العام الإباضي تثبت احتمال تأثر بعض أعلام عمان بالمعتزلة، وتبرر سبب ضغط الحكام والعلماء على هذا التيار الجديد خشية استفحاله، وتواصل المتأثرين العمانيين مع بقية الإباضية القائلين بالقدر في البصرة والمغرب، وهو ما سنعالجه في العنصر الموالي.

(1) سيرة هاشم بن غيلان إلى الإمام عبد الملك بن حميد (ضمن السير والجوابات): 2/ 38؛ السالمي: تحفة الأعيان: 1/ 113.

(2) السالمي: تحفة الأعيان: 1/ 106. وهذا الاحتكاك بالمعتزلة هو ما يفسر انتشار الاختلاف في صحار، سواء ما ظهر بين محبوب وهارون، أو اختلاف أشياخ صحار مع الشراة، أو الهرج والمرج حول كيفية الصلاة، وهو ما تتطلب من الإمام الحاكم مهنا بن جيفر إرجاع عاصمته إلى نزوى في 11 رجب سنة 206هـ، بعد أن تحولت سابقا من نزوى إلى صحار بأمر من الإمام الحاكم غسان في 25 جمادى الثانية سنة 201هـ.

(3) وائل بن أيوب: سيرة وائل (ضمن السير والجوابات): 2/ 51.

١٨ / ٣١