التواصل المعرفي للمعارضة الإباضية في المشرق والمغرب خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

التواصل المعرفي للمعارضة الإباضية في المشرق والمغرب خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى

الجزء ١ · صفحة ١٩

4 - الاختلاف الحاصل مع النكار:

يتسرع مؤرخو المغاربة في إطلاق تسمية الفرقة على كل من خالف الإمام الإباضي في العلم أو الحكم، حتى عدوا الخلاف السياسي لـ"خلَف بن السمح" تنشئة لفرقة الخلَفية، واستقلال "نفاث بن النصر" ببعض الفتاوى تكوينا للنفاثية، وهي مسميات أثقل من أصحابها، وتحمل دلالات لا تتناسب مع أصحابها ولا مؤازريهم. بينما كان مؤرخو المشارقة أكثر توازنا في أحكامهم، فلا يسمون الفرقة على كل خلاف، مثلما لم تسم أي فرقة من الخلاف الحاصل بين هارون بن اليمان ومحبوب بن الرحيل، وإنما كانوا يطلقون لفظة الفرقة على من تبنى آراء فكرية خاصة، وأتبعها بمواقف سياسية، ثم بمشادات عسكرية، ولم تتوفر هذه الضوابط حسب علمنا في غير الخلاف على إمامة الصلت بن مالك الخروصي عند كبره، فتشكلت إثر ذلك فرقتان؛ إحداهما مؤيدة، والأخرى معارضة، سميتا بالتبع، الرستاقية والنزوانية. وبهذا المنطلق فإننا نجزم بأنه لا فرقة فعلية في المغرب غير من سموا بالنكار، الذين كانت لهم مرجعية فقهية تمثلت في التلاميذ الثلاثة المعارضين لإمامهم أبي عبيدة في المسائل الثلاثة المشهورة، ومرجعية عقدية تبلورت مع العالم عبد الله بن يزيد الفزاري، ومواقف سياسية تطورت إلى مناوشات عسكرية بقيادة يزيد بن فندين، وسنفصل في نشأة هذه الفرقة المعارضة للإباضية، ونحدد تواصلهم مع علماء المشرق، ثم نناقش صحة نسبة مؤلفاتهم إلى أصحابها.

أ) الامتداد السياسي للنكار

استغل بعض المغاربة شهرة المختلفين الثلاثة مع الإمام الربيع بن حبيب، وهم: شعيب بن المعرَّف، وأبو المؤرج السدوسي، وعبد الله بن عبد العزيز، فأرادوا أن يستغلوا هذا الخلاف لصالحهم إثر معارضتهم للإمام الإباضي الحاكم في الدولة الرستمية عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (حكم بين 171 - 208هـ)، بعد أن أخذ زمام الحكم خلفا لوالده، حيث قامت ضده معارضة بقيادة يزيد بن فندين، الذي أعلن للناس عن عدم صلاح بيعة الإمام عبد الوهاب، إلا إذا التزم بأن «لا يقضي أمرا دون جماعة معلومة»(1)، ثم استقر رأي كثير من المغاربة؛ المعارضين للإمام أو المؤيدين له على مراسلة علماء المشرق المتمثلين في الإمام الربيع بن حبيب، ومخلد بن العمرد، ووائل بن أيوب الحضرمي والاحتكام إلى اجتهادهم، وحسب تحليل الروايات التاريخية فإن الرسولين الحاملين لنص الرسالة التقيا في مصر بالعالم شعيب بن المعرف التلميذ المعارض للإمامين أبي عبيدة والربيع(2)، فأطلعاه على الخلاف في

(1) أبو زكرياء: سير الأيمة: 1/ 90؛ انظر: الشماخي: السير: 148؛ الباروني: مختصر الإِبَاضِيَّة: 39.

(2) أبو زكرياء: سير الأيمة: 1/ 93.

١٩ / ٣١