التواصل المعرفي للمعارضة الإباضية في المشرق والمغرب خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

التواصل المعرفي للمعارضة الإباضية في المشرق والمغرب خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى

الجزء ١ · صفحة ٢٠

تيهرت، فتوجه إليها وأعلن مناصرته ليزيد بن فندين معارض الإمام الرستمي الحاكم، لكن بعد نشوب مناوشات وحروب بين أنصار الإمام الحاكم عبد الوهاب، وأتباع يزيد بن فندين انهزم أتباع ابن فندين، وهرب شعيب بن المعرف إلى طرابلس، فصار يطلق على هؤلاء المعارضين "النكار"، وهي تسمية فيها تجريح لهم لإنكارهم إمامة عبد الوهاب(1)، وقيل نسبوا إلى الكدية التي نزلوا بها في تيهرت(2).

وبالتالي فإن أثر هؤلاء المعارضين الثلاثة للإمامين أبي عبيدة والربيع في البصرة امتد إلى الواقع، واستُغل لإثارة المعارضين للإمام الرستمي في تيهرت، مما يؤكد تواصل المعارضين فيما بينهم، ومحاولتهم صنع مجد يوازي السلطة الإباضية العامة.

ب) الامتداد العقدي للنكار

امتدت الأفكار العقدية للمعارضين للأيمة الإباضية في البصرة إلى المغرب من خلال كتب العالم عبد الله بن يزيد الفزاري، الذي نشأ في المشرق، وروجت أفكاره ومعتقداته في صفوف النكار المعارضين للإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، ومن خلال الزخم الكبير للمؤلفات المكتشفة حديثا للفزاري(3) وأبي زيد عبد الرحمن بن سليمان الزواري الولولي(4) ظهرت لنا منظومة عقدية متكاملة للنكار، فيها ما يتوافق مع الفكر العقدي الإباضي، وفيها ما يخالفه، وسأركز على أهم قضايا الخلاف، لأفتح الشهية للباحثين في عقد دراسة جادة للفكر العقدي عند من أطلق عليهم النكار، وهذه أهم آرائهم(5):

- يكتفي النكار -فيما يسع جهله إلى قيام الحجة- بالعمل فقط، دون اشتراط العلم بوجوب تلك المسألة، بخلاف الإباضية فيلزمون اجتماع العلم بوجوب تلك المسألة والعمل على إتيانها.

- يعتقدون أن أسماء الله مخلوقة، بينما يراها الإباضية قديمة.

- ينفون عذاب القبر ونعيمه.

- أجاز عبد الله بن يزيد الفزاري إرسال رسول ببينة أو بدونها، بينما اشترط الإباضية ضرورة اقتران الرسالة بالمعجزة حَتَّى تقوم الحجة على الناس.

- يرى الفزاري أن الاستطاعة تكون مع الفعل وتتناسب مع الإرادة. وأنه لا استطاعة على فعلين، إذ لا استطاعة للكفار على الإيمان حسب معتقده، وبالتالي فإن الكفار لا يعذبون من جهة عدم إيمانهم، وَإِنَّمَا من جهة إتيانهم الكفر.

- يؤمن الفزاري بأن الله يرزق الحلال والحرام. ويعتقد أن المقتول مات بأجله المقدور.

ج) صحة نسبة المؤلفات إلى الفزاري

لقد سعينا بجد في متابعة مؤلفات هذا العالم لمعرفة آرائه، علما أننا قد حللنا محتوى بعضها في بحثنا للماجستير من خلال مخطوطات موجودة في مزاب بالجزائر أصلها من تونس، ونريد أن نواصل تحليلنا مستعينين بمجموعة من مخطوطات أخرى مصورة قدمت أيضا من جربة بتونس، وهذه نتيجة قراءتنا لكل المؤلفات المنسوبة إلى الفزاري.

1 - كتاب القدر:

يتوفر الكتاب على نسختين في نفس المخطوطة(6)، وقد شكك صاحب بحث الفزاري "فوزي صخراوي" في أن تكون هاتان النسختان كتاب القدر، بناء على ورود إشارتين وسط الكتاب إلى كتاب القدر، جاء في إحداها: "فافهم هذا الوجه فإنه قد كان في كتاب القدر قد أردت أن لا أجيبك فيه لأنه عندك".

ويبدو لي أن الإشكال مرفوع لعدم وجود ما ينفي صحة النسبة، فضلا عن أني قد عقدت مقارنة بين هذا الكتاب وكتاب أحمد الناصر لدين الله الشيعي "النجاة"(7) الذي يرد فيه على الفزاري، فتبين أن الشيعي لم يعتمده في الغالب(8) ليدل على أن الكتاب المتوفر لدينا في نسختين هو كتاب القدر، ولا

(1) أبو زكرياء: سير الأيمة: 1/ 95.

(2) أبو زكرياء: سير الأيمة:1/ 101.

(3) لقد عالجت مؤلفات الفزاري في بحثنا، انظر: الفكر العقدي عند الإباضية: 255 - 262.

(4) توجد ضمن مجموع مخطوطات ضخمة، عثر عليها الدكتور: فرحات الجعبيري، وسنطلق عليها في هذا البحث "مخطوطات من تونس".

(5) راجع تفصيل معتقداتهم في بحثنا، الفكر العقدي عند الإباضية.

(6) مكتبة الاستقامة ببني يزقن (الجزائر)، تحت رقم: ف3.

(7) أحمد بن يحيى بن الحسين، مقدم في الفقه تسلم الأمر من أخيه المرتضى في 301هـ، اجتهد في الجهاد ضد القرامطة حَتَّى توفي في 315هـ، من مؤلفاته: المفرد، وكتاب الدامغ، والتوحيد، انظر مقدمة محقق كتاب النجاة: اعتناء: قيلفريد ماديلونغ، المطبعة الكاثوليكية، ألمانيا: 1985، النشرات الإسلامية، ج30. ص: 1، 2.

(8) بعد أن تعسر علي مقابلة النصوص ببعضها، لتشابهها وتضاربها أحيانا، فالتجأت إلى البحث عن الآيات الواردة بين الكتابين، وتتبع محتوى توظيفهما، فكانت هذه النتيجة:

- 22 آية وردت في كتاب القدر المخطوط لم ترد في كتاب النجاة المطبوع ().

- 05 آيات اشترك الكتابان في إيرادها مع الاختلاف في موضوع الاستشهاد بها ().

- 03 آيات يَتَّفِقُ موضوع الاستشهاد بها بين المخطوط وكتاب النجاة ()، مع الاختلاف في الصياغة وعرض الأفكار.

ليتبين لنا من خلال هذه المقارنة أن كتاب النجاة لم يعتمد على كتاب القدر لأنه توجد عدة آيات اعتمدها الفزاري ولم يعتمدها أحمد الناصر، فضلا عن أن المتفق عليه كآيات ونصوص لا يعدو ثلاث مواضع، فدل بذلك على أن أحمد الناصر لم يعتمد كتاب القدر، (وهذه النتيجة الأخيرة " أن أحمد الناصر لم يعتمد كتاب القدر" مغايرة لما كتبته في كتابي الفكر العقدي عند الإباضية، بعد اعتمادي على نفس المقارنة السابقة).

٢٠ / ٣١