التواصل المعرفي للمعارضة الإباضية في المشرق والمغرب خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

التواصل المعرفي للمعارضة الإباضية في المشرق والمغرب خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى

الجزء ١ · صفحة ٢٧

5 - التشابه المعرفي بين المعارضين الإباضية مشرقا ومغربا:

أ- وحدة منبع الخلاف، وتشابه القضايا

بعد استعراض جملة من المحسوبين على المنشقين عن الإباضية تبين لنا أن أغلبهم ممن تتلمذ على يد الإمام أبي عبيدة، ثم اختلف مع شيخه، مما يوحي بالتسامح المعرفي في مجالس التعليم التي كان يعقدها أبو عبيدة، والتألق العلمي لهؤلاء الطلبة الذين أحدثوا حِراكا معرفيا أثناء دراستهم، إلا أن الشيخ أبا عبيدة -وكما يبدو- لم يكن يحسم الخلاف بإقناع علمي صريح، ولم يكن مشتغلا كثيرا بالمناقشة العلمية مع تلاميذه كما كان يفعل شيخُه جابر بن زيد، وإنما ألهته متابعة تأسيس الحركة الإباضية في المشرق والمغرب عن التحاور الفعلي في هذه القضايا الدقيقة، واستعاض عن هذا الحوار بتوظيف الهجران ضد بعض من تعنت في إظهار رأيه، وهذا ما شهدناه مع الثلاثة: حمزة الكوفي، وعطية الخراساني، والحارث الذين دعوا إلى القدر، فأصدر الإمام أبو عبيدة الهجران في حق حمزة حينما نشر رأيه.

وتأكيدا على التواصل المعرفي للمعارضين الإباضية فيما بينهم ما لمسناه من انتشار فكرة القدر في عمان وبخاصة في صحار، وحزم مواجهتهم من قبل هاشم بن غيلان ووائل بن أيوب الحضرمي اللذين عالجا الخلاف قبل استفحاله في عمان، وتصديا له بالضغط على معتنقيه –كما فعل الإمام أبو عبيدة- عن طريق إرسال الرسائل إلى الإمام الحاكم وترجي نفي القائلين بالقدر من المعتزلة وممن تأثر بهم.

وإلى جانب معارضي الإمام أبي عبيدة برز مخالفون أكثر جرأة في عهد الإمام الربيع بن حبيب، بعد أن كانوا يخفون آراءهم في عهد شيخهم أبي عبيدة، إذ صاروا يبثون أفكارهم بكل وضوح، ولعل ذلك يرجع إلى أنهم كانوا يرون أن الربيع بن حبيب مكافئ لهم في المجال المعرفي، وأن لهم نفس الحظوظ لتبني الزعامة الإباضية، ونذكر من هؤلاء: الثلاثة المشهورين بخلافهم مع الربيع: شعيب بن المعرَّف، وأبو المؤرج السدوسي، وعبد الله بن عبد العزيز، الذين وجدنا آراءهم الفقهية مبثوثة في مدونة أبي غانم، أو في مخطوطات اكتشفت حديثا، وأشهر القضايا التي أثاروها هي:

عدم تكفير المرأة التي تلاعبت مع الرجال.

الدعوة إلى عدم صلاة الجمعة وراء أيمة الجور.

تشريك المخالفين من أهل القبلة في مسألة صفات الله.

وهذه المسائل الثلاثة هي نفسها المسائل التي احتدم حولها النقاش بين محبوب بن الرحيل وهارون بن اليمان ليتأكد لنا التواصل المعرفي للمعارضين البصريين مع العمانيين ومع المغاربة لاحقا.

فحديث البصريين الثلاثة عن عدم تكفير المرأة التي تلاعبت مع الرجال شبيه بإعلان هارون بن اليمان في عمان الوقوف وعدم الحكم بالبراءة ولا الولاية لمن ارتكب معصية غير منصوص على حدها وغير

٢٥ / ٣١