التواصل المعرفي للمعارضة الإباضية في المشرق والمغرب خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

التواصل المعرفي للمعارضة الإباضية في المشرق والمغرب خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى

الجزء ١ · صفحة ٢٨

مبين مصيرها، معارضا زميله الذي آلت إليه الرئاسة العلمية في عمان محبوب بن الرحيل.

وناقش هارون أيضا مسألة غفران الله الذنب الصغير ولو بدون توبة "ذنب يعفو الله عنه" عند إتيانه الحسنات، وهو ما رفضه محبوب الذي يبدو كان متشددا في إلزامية التوبة من أي ذنب، سواء كان صغيرا أو كبيرا، لأنه يعتقد أن الذنب الصغير لا يعفو الله عنه دون توبة، وهذه القضية لم تثر في غير عمان رغم كونها استمرارا للقضية السالفة، حيث رأينا أنها أحدثت نقاشا حادا في مجلس هاشم بن غيلان فدعا إلى السكوت عنها.

- والتحفظ من الصلاة وراء أيمة الجور من قبل العلماء الثلاثة البصريين هو نفس ما أثاره هارون بن اليمان في عمان، رغم أننا رأيناه سابقا متساهلا في الحكم على العاصي، ولكنه أظهر تشددا في التعامل مع مخالفيه، سواء لعدم إيجاب صلاة الجمعة معهم، أو لعدم قبول أعطيتهم ومكافآتهم، مما يؤكد قوة تأثر المعارضين ببعضهم.

- ودائما مع هارون بن اليمان فقد اتُّهم بأنه يحكم بالشرك على المؤول في الصفات خلاف الحق، وهو حكم لم يسبق من إباض قبله، لكن بعد تصفح رسالته إلى الإمام مهنا تبين أن متهمه محبوب بن الرحيل لم يتعرف جيدا على رأيه، لأننا وجدنا كلام هارون لا يختلف عما قرره المسلمون من أن الحكم بالشرك ينطبق على مشبه الله بخلقه. ولا ندري سبب دعوى محبوب، وهل كان مخطئا فيما نسبه إلى خصمه؟ أم أن الرسائل المتوفرة لدينا لا تعطينا صورة صحيحة عن رأي هارون؟

وما ذكرناه سابقا كان حول التواصل المشرقي المشرقي، أما عن التواصل المشرقي المغربي فقد تجلى مع النكار الذين تبنوا الاجتهادات الفقهية لشعيب بن المعرَّف، وأبي المؤرج السدوسي، وعبد الله بن عبد العزيز، المحفوظة في مدونة أبي غانم، وفي مخطوطات أخرى اكتشفت حديثا، كالديوان المعروض، ومسائل نفوسة وغيرهما، هذا فيما يخص المنظومة الفقهية للفرقة المنشقة عن الإباضية، وهي الجماعة الوحيدة التي يصح تسميتها فرقة، لأن لها أيضا مواقف سياسية تبنوها مع يزيد بن فندين المعارض للإمام الرستمي عبد الوهاب، وآراء عقدية ناقشتها كتب العقيدة في المغرب، إلا أن الجديد هو اكتشافنا لمخطوطات عن الفزاري، وعلى رأسها كتابه القدر، الذي يبدو أنه أصح ما نسب إليه من المؤلفات، وهذا الكتاب يؤكد لنا تواصل المنشقين فيما بينهم، وهذه المرة بين الفزاري وتلاميذ الإمام أبي عبيدة المختلفين معه في القدر، وربما مع من تبناها في عمان، ولا نبالغ إن أثبتنا التواصل حتى مع المنشقين في اليمن ذلك لثبوت قيام الشيعي أحمد الناصر لدين الله اليمني برد على الفزاري في كتاب سماه النجاة.

من خلال مؤلفات الفزاري، وأبي زيد عبد الرحمن بن سليمان الزواري الولولي ظهرت لنا منظومة عقدية متكاملة للنكار، فيها ما يتوافق مع الفكر العقدي الإباضي، وفيها ما يخالفه، وهي في حاجة إلى

٢٦ / ٣١