التواصل المعرفي للمعارضة الإباضية في المشرق والمغرب خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى
الجزء ١ · صفحة ٥1 - أن الإباضية "كانوا يتبرؤون من الواقعين في المعصية اشتهاء، ولو لم تكن من المعصية التي لها حد في الدنيا".
2 - ألزمه بالوقوع في تناقض معرفي، لأن هارون إذا لم يحكم على الشباب العابث مع المرأة بأنهم عصاة (كفار كفر نعمة) يعاقبهم الله إن لم يتوبوا؛ فإنه سيثبت لهم صفة التقوى، وهذا ما يتعارض مع ما أقره هارون بأن صفة التقوى تثبت للموفين بحقوق الله، والمستسلمين الطاعة لله، وتنفى عن المضيعين للطاعة، فيقول محبوب:
- إما أن هارون "يزعم أن القوم لم يخرجوا من اسم التقوى بما ضيعوا من الطاعة، وما ركبوا من المعصية، فهم إذا متقون"، وهذا عيب في رأيه حسب محبوب.
- وإما أن يزعم "أنه متحير لا يدري لعل اسم التقوى لهم ثابت، فإنهم متقون عند الله، فهذا هو الشك والعمى".
- وإما أنهم "مضيعون للطاعة خارجون من اسم التقوى". وهذا هو قول المسلمين.
3 - اعترض محبوب على استدلال هارون في الوقوف على المعصية غير المنصوصة بموقف النبي - صلى الله عليه وسلم - من زوجته عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك، وبين له أن وقوفه - صلى الله عليه وسلم - ليس وقوفا عن الحكم في المعصية، ولا وقوفا عن تولي زوجته البريئة أو البراءة منها، وإنما يُعتبر وقوفه - صلى الله عليه وسلم - أثناء حادثة الإفك وقوفَ انتظار للوحي، ومن ثم لا تصح المقارنة بين انتظار النبي - صلى الله عليه وسلم - للحكم الإلهي، ووقوف العالم عن الحكم في معصية تلحق بالكبيرة ولم يرد فيها حد ولا نص.
4 - أنكر عليه توظيفه القياس في مسائل عقدية، والتوقف في حق من تولى العاصي أو تبرأ منه بمعصية شبيهة بالكبيرة استنادا إلى سكوت الشرع عن بيان حكم مقترف المعصية، فبين محبوب أن هذا القياس لا يصح استعماله أمام توفر كتاب الله وسنة نبيئه - صلى الله عليه وسلم - وآثار المسلمين، وأن عليه الحكم على صاحب المعصية ولو بدون وجود نص صريح لمرتكبها، ثم استدل محبوب على نكرانه للقياس بقول أبي عبيدة: "من ذهب في القياس ذهب في الدمار"(1).
5 - وأنكر محبوب أيضا استدلال هارون بعدم استتابة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - المغيرة بن شعبة، والمرأة التي اتُّهمت معه والشاهد الرابع الذي ارتبك في شهادته، وذكر أن عدم إقامة الحد على المتَّهمين بالفاحشة لا يعني براءتَهما من المعصية، وإنما "الحد لا يقام إلا بشهادة أربعة"، وبالتالي فيفترض حسب محبوب بن الرحيل أن حادثة المرأة التي عبثت مع الرجال لو وقعت في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - "ما شك فيها، ولا وقف عنها، وما [كان] ليتركها حتى يؤدبها بالضرب والحبس، ويستتيبها بما صنعت".
لكن لم يبين لنا محبوب موضع الفرق بين الحكم على المرأة المتهمة مع المغيرة، والمرأة العابثة مع الرجال، حيث
(1) السير والجوابات: 1/ 305.