التواصل المعرفي للمعارضة الإباضية في المشرق والمغرب خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

التواصل المعرفي للمعارضة الإباضية في المشرق والمغرب خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى

الجزء ١ · صفحة ٧

عن مقترفه إلا بتوبة، فهذا ما أقره الإباضية حسبما يراه محبوب، ووضح فكرته بقوله: "فمن دين المسلمين أنه لا كبيرة مع توبة، ولا صغيرة لمن أقام من الناس على صغيرة، فهو هالك".

اختتم محبوب رده بعرض أنواع الذنوب حسبما يعتقده، فقسمها إلى قسمين فقط، فقال: "والذنب على منزلتين":

1 - ذنب يهلك به صاحبه عند الوقوع، حيث قال: "ذنب يهلك به صاحبه عند المباشرة والوقوع". وهو ما يتناسب مع النوع الأول عند هارون.

2 - ذنب يهلك به صاحبه بترك التوبة، فقال: "وذنب يهلك به صاحبه بترك التوبة منه، والمقام عليه".

فنفى بذلك محبوب النوعين اللذين أقرهما هارون؛ وهو أنه يوجد ذنب يُتوقف في الحكم على صاحبه، وذنب صغير معفو عنه ولو بدون توبة ولا يحاسب عليه العبد.

وبالتالي فيبدو أن محبوبا كان متشددا في إلزامية التوبة من أي ذنب؛ سواء كان صغيرا أو كبيرا، لأنه يعتقد أن الذنب الصغير لا يعفو الله عنه دون توبة(1)، والكبير يهلك حسنات العبد إن لقي العبد الله دون توبة من جرمه، وذلك بإحباط عمله الصالح.

المسألة الثالثة: التنزه عن صلاة الجمعة مع غير الإباضية، وعن أخذ العطاء منهم

يقول محبوب عن هارون: "وإني أروي عليه أن الجمعة حرام عند أيمة قومنا والعطاء، ولست أروي عليه أنه حرمها"، ويواصل فيقول عنه أيضا: "وإني أزعم أنه قد جمع المسلمون خلف أيمة الجور ولم يختلفوا فيها، فزعم أنه يجوز لهم ما فعلوا، وقد أدوا فريضة، وأن الرجل [إذا] لم يجمع وتنزه فهو أفضل".

فهارون لم يحرم صلاة الجمعة مع غير الإباضية، لأنه قد صلى أيمة الإباضية مع غيرهم، وإنما عد صلاة الجمعة معهم جائزة، وليست واجبة مثلما كان يؤكد عليها الإمام جابر بن زيد، سواء صلاها مع إمام إباضي أو إمام جائر من غير مذهبه، بينما يختار هارون عدم الصلاة مع مخالفيه على صلاتها معهم، ويعتبر ذلك أولى.

ثم يطبق هارون نفس الحكم في جواز أخذ العطاء من أيمة الجور، لكن يفضل التنزه عن ذلك.

وبعد عرض محبوب لأقوال هارون، ينبري للرد عليها، فيقول:

1 - إن حكم هارون مخالف لقول المسلمين وسلفهم، ويقصد أيمة الإباضية.

(1) للعلم فإن لمحبوب نصوصا أخرى تبين شروط الحالة التي يعفو فيها الله عن الذنب الصغير ولو من دون توبة، وهذا فيما يخص من ارتكب ذنبا صغيرا من غير إصرار، وبدون الإقامة على الذنب، أو بدون العزم على ترك التوبة. وباستصحاب هذه النصوص يظهر أن محبوبا قد قيد رأي هارون فيما يتعلق بالنوع الثالث: "ذنب يعفو الله عنه". انظر: الدرجيني: طبقات المشايخ: 2/ 279، 281، وبحثنا حول الفكر العقدي عند الإباضية: 439، 440.

٧ / ٣١