جلي الشروح على نونية فتح بن نوح شرح القصيدة النونية في التوحيد
الجزء ١ · صفحة ١٤٤144
جلي الشروح على نونية فتح بن نوح
وقوله: (وَأَبْغَضَ قَوْمًا عِنْدَنَا هُمْ ذُوو حُسْنٍ): أي أن الله تعالى عاقب عبادا من عباده هم في عداد الصالحين الطائعين والمحسنين عند خلقه، إلا أنهم في علم الله تعالى من الهالكين يوم القيامة، وذلك لما يؤول إليه حالهم قبل موتهم من فعل المعاصي والموت عليها بغير توبة، كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: «فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل عمل أهل الجنة فيدخلها» (1).
وكذا هو
الحال في من نرى عليه علامات الصلاح لا نقطع له بدخول الجنة، بل نكل الأمر الأخروي إلى الله تعالى علام الغيوب، فإن العبرة بالخواتيم وبما في علم الله تعالى وحده.
قال الناظم:
فَلِلَّهِ حُكْمٌ بَالِغُ فِي عِبَادِهِ بِسَابِقِ عِلْمٍ فِي السَّعَادَةِ وَالْهَوْنِ قوله: (فَلِلَّهِ حُكْمٌ بَالِغُ فِي عِبَادِهِ: أي أن حكم الله تعالى في خلقه حكم نافذ محقق واقع، لما علم الله من حالهم في علمه الأزلي، وكلُّ مسير لما خلق له، إن الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [يوسف: (40]، فحكمه الأزلي عليهم بما انكشف له حالهم في الحياة الدنيا وعاقبتهم في الآخرة، وحكم الله لا يتغير ولا يتبدل، فالشقي شقي في الآخرة، والسعيد سعيد في الآخرة وإن ظهر لنا بخلاف ذلك، ولله في خلقه شؤون. وقوله: (بِسَابِقِ عِلْمٍ فِي السَّعَادَةِ وَالْهَوْنِ): أي أن حكم الله تعالى الأزلي على عباده بالسعادة والشقاء، إنما هو بسابق علمه بما يؤول إليه حالهم في
(1) رواه البخاري، باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: 171]، رقم الحديث:
07454