جلي الشروح على نونية فتح بن نوح: شرح القصيدة النونية في التوحيد فتح بن نوح الملوشائي أبو نصر

جلي الشروح على نونية فتح بن نوح شرح القصيدة النونية في التوحيد

الجزء ١ · صفحة ١٩٥

في ذكر التقية

195

فقوله: (طُمَأْنِينَةُ الإِيمَانِ فِي القَلْبِ بِالسَّكْن): فهو كما قلنا أن القول بجواز التقية بالقول في الشرك عند خوف الموت لا يكون جائزا إلا بشرط طمأنينة القلب بالإيمان، بدليل قوله تعالى: (مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَيِنُ بِالإِيمَنِ} [النحل: 106]، وكما ذكرنا قصة الصحابي الجليل عمار بن ياسر الله: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فلم يتركوه حتى سب النبي وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما وراءك؟» قال: شر يا رسول الله ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال: «كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنا بالإيمان، قال: «إن عادوا فعد»)، فمع تحقق اطمئنان القلب رَخَّصَ له النبي في العودة لما طلبوه حفاظا على نفسه من الموت.

قال الناظم: 109 - تَعَاهَدُ لِمَكْنُونِ الصُّدُورِ سَرَائِرًا سَتُسْأَلُ عَنْ مَطْوِيهَا بِالتَّعَنْعُنِ قوله: (تَعَاهَدُ لِمَكْنُونِ الصُّدُورِ سَرَائِرًا): أي راقب أيها المكلف ما يكنه ضميرك وصدرك من مكنونات وأسرار لا يطلع عليها أحد إلا الله تعالى، (تَعَاهَدْ): بمعنى راقب وفتش واحفظ باستمرار ويراد به صون القلب مما يخفيه من مكنونات الكفر أو الرياء التي تودي به في الدنيا والآخرة، ـ فإن الله تعالى مطلع على ما تكنه ضمائرنا من أسرار، يقول له: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16]، ويقول تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير [الملك: 13 - 14].

وقوله: (سَتُسْأَلُ عَنْ مَطْوِيّهَا بِالتَّعَنْعُنِ): أي أن كل ما تكنه الضمائر وتطويه الصدور سيُسأل عنه المكلَّف يوم القيامة؛ إن كان ينطوي على

(1) السنن الكبرى للبيهقي باب المكره على الردة، رقم الحديث: 16896.