جلي الشروح على نونية فتح بن نوح شرح القصيدة النونية في التوحيد
الجزء ١ · صفحة ٢١١في ذكر أنواع أعمال الإنسان والنجاة في علمها
211
النص الشرعي القاطع على تحريمه ولم يأتِ ما ينقضه أو ينسخه، فالحرام عند الله لا يحله ممارسة العباد له أو غير ذلك.
الله تعالى
وقوله: (تَدَاوُلُ أَيْدٍ بِالتَمَلُّكِ وَالْقَنِّ): أي إن الحرام في دين لا يمكن أن يكون حلالا بمجرد تداول الناس وممارستهم له، وتملكوه وأخذوه ظلما وغصبًا وأصبح في حكم الظاهر للناس من ملكهم فهو يبقى حراما في دين الله تعالى.
وهنا لفتة لا بدَّ من التنبه لها وهي أن من أكل أموال الناس بمهارة التحايل التي يتقنها، والواسطة الكبيرة التي معه من الناس، ولحن الخطاب الذي يحاج به، وكياسة العقل التي يراوغ بها، والصكوك المزورة التي بين يديه يقدمها للقاضي فيوهمه بصدقها، فيقضي له بالحق الذي ليس له فيظن هذا الآكل لأموال الناس بعبقريته وبكياسته تلك بأنه إن أفلت من المحكمة الدنيوية التي استطاع فيها خداع عقول البشر من القضاة وغيرهم، أنه سالم عند الله يوم القيامة، لأنه حصل على هذا المال بحكم الحاكم الشرعي، وما درى هذا المغرور الجهول أنه إن من محكمة الدنيا بهذا الأكل الحرام فلن يفلت من محكمة قاضيها الله تعالى القيامة، قاضيها الذي يعلم السر وما أخفى منه، والذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، قال الله تعالى محذرًا من ذلك عباده: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 188]، ويقول تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29].
أفلت
يوم
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما أنا بشر مثلكم تختصمون إليَّ فأحكم بينكم، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئًا فإنما أقطع له قطعة
من
نار» (1).
(1) مسند الربيع بن حبيب كتاب الأحكام، رقم الحديث: 588 / ورواه البخاري، باب: موعظة