جلي الشروح على نونية فتح بن نوح شرح القصيدة النونية في التوحيد
الجزء ١ · صفحة ٢٣٩في ذكر النهي عن الغيبة والنميمة والحسد والكذب
239
وحسدهم على نعمهم التي أكرمهم الله تعالى بها صغيرها وأصغرها، فالحسود
ناره لا تخمد حتى تأتي على أخضره ويابسه، وكما قال الشاعر: اصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتلة کالنار تأكل بعضها إن لَم تجد ما تأكلة)
- 101
قال الناظم:
فَحَشْوُ فَمِ الكَذَّابِ أَخْشَنُ تَكْتَةٍ لِتَدْنِيسِهِ عِظَرَ الْمُرُوءَةِ بِالنَّتْنِ قوله: (فَحَشْوُ فَمِ الكَذَّابِ أَخْشَنُ كَكْتَةٍ): أي أن ما يملأ الكاذب ـ المخبر المخالف كلامه للواقع والحقيقة - به فمه من الكلام المخالف للواقع أخشن: أي أشد غلظة من (كَكْتَةٍ) - بكافين أوّله وتاءين مثناتين فوقيتين آخره ـ بمعنى التراب، أي كالتراب النتن ذي الرائحة الخبيثة الكريهة.
وقوله: (لِتَدْنِيسِهِ عِطْرَ الْمُرُوءَةِ بِالنَّتْنِ): أي أن هذا الكذاب بكلامه هذا الذي يملأ به فمه ويفوه به وهو مخالف للواقع والحقيقة على سبيل العمد، يلوّث ويشوّه بكلامه هذا معاني المروءة ـ وهي كمال الرجولة وغاية الاحتشام والنزاهة - وخصالها، فتذهب عنه مروءته ونزاهته بما وقع فيه مما ينفر النفوس عنه ولهذا شبهه بالنتن أي الرائحة الخبيثة التي لا تطاق، والمنبعثة من قبيح الفعل والقول الذي أتى به هذا الكذاب.
ومعنى البيت أن ما يفوه به فم الكذَّاب كثير الكذب وهو المخبر بما خالف الواقع والحقيقة من الكلام أغلظ وأخشن من التراب الجراش، وفيه كناية عن شدة التوبيخ والتقريع لهذا الكذاب الذي أخل ولوث عطر المروءة التي يتحلى بها المرء في نطقه وأفعاله وأخلاقه وسجاياه بهذا الكلام المنتن الملوث للأسماع، الذي يذهب بالمروءة والنزاهة.
(1) البيت منسوب إلى عبد الله بن المعتز.