جلي الشروح على نونية فتح بن نوح شرح القصيدة النونية في التوحيد
الجزء ١ · صفحة ٢٥٠250
جلي الشروح على نونية فتح بن نوح
ركود العلم على ما حبروه وقالوه، فلم يجدوا إلا ناثرًا لنظمهم أو شارحًا لمجمل نثرهم أو محشّيّا على شروحهم أو محققا لمتونهم أو مقدسًا لأرائهم، ولو مكنوا من القول لأنكروا ذلك ولطلبوا ممن جاء بعدهم أن ينظر فيما قالوه وكتبوه كنظرهم فيما كتبه وقاله من قبلهم فهكذا يُخدم العلم وتتصل حلقاته ويكون المتأخرون بررة بالمتقدمين، يواصلون بناء الصرح العلمي لبنة فوق أخرى، وما أبلغ ما قاله العلامة النحوي ابن مالك الطائي صاحب الألفية المشهورة في علم النحو: (وإذا كانت العلوم منحًا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يُدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين».
ويقول أبو عثمان الجاحظ في مثل ذلك: « … وقد قالوا: ليس من ما يستعمل الناس كلمة أضر بالعلم والعلماء ولا أضر بالخاصة والعامة من قولهم: «ما ترك الأول للآخر شيئًا»، ولو استعمل الناس معنى هذا الكلام، فتركوا جميع التكلف، ولم يتعاطوا إلا مقدار ما كان في أيديهم، لفقدوا علمًا جما ومرافق لا تُحصى، ولكن أبى الله إلا أن يقسم نعمه بين طبقات جميع عباده قسمة عدل، يعطي كل قرن وكل أمة حصتها ونصيبها على تمام مراشد الدين، وكمال مصالح الدنيا» (2).
ولو سَلَكَ الناس هذا المسلك بهذا الفهم لترك العمل وعطلت المواهب و همشت الملكات وحُنط العقل المستنير بنور العلم الذي حباه الله صاحبه، ولبقيت الدنيا إلى يومنا جامدة على ما كانت عليه من بداية أنفاس البشرية من عهد أبينا آدم، ولكن أبى الله تعالى إلا أن يقيض لكل زمان رجاله، يبعثون
(1) ابن مالك، محمد بن عبد الله ابن مالك الطائي الجياني، أبو عبد الله، جمال الدين (المتوفى: 672 هـ)، تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد تحقيق محمد کامل، برکات دار الكتاب العربي
للطباعة والنشر سنة النشر: 1387 هـ / 1967 م، ص 2.
(2) الجاحظ، الرسائل ج 4 ص 103.