جلي الشروح على نونية فتح بن نوح شرح القصيدة النونية في التوحيد
الجزء ١ · صفحة ٢٥١في ذكر أخلاقيات الناظم واعترافه بفضل الله عليه
251
وحقائقه
فيه همة الأمم، ويرفعون للعلم مناره ويورون ناره، وينقبون عن مكنوناته ودقائقه، ويرفعون راياته عالية خفاقة تلوح في وجه الجهل العابس المكفهر -
وفي المقابل لا ينسَ الإنسانُ العلماء المتقدمين وما قدموه من تضحيات، أولئك القوم الذين كانت لهم اليد الطولى والسبق الأسنى في الوصول إلى مكنونات العلم، فهم وصلوا إلى العلم والزمانُ غض فتي، لاحت فيه بوارق الجهل واحلولكت ظلماته، فخدموا العلم بأذهانهم وأبدانهم، فتعبت منهم الكواهل وتقرّحت منهم الكواحل، نفوسهم أتعبت في العلم أبدانهم، وأبدانهم أتعبت في العلم أنفسهم، طلبوا العلم فطلبهم العلم وخدموه فخدمهم، وشمروا لأجله وتجلدوا، فجلدوا الأرض بحوافر ركابهم سعيا لطلبه، وقطعوا الفيافي والقفار التماسًا لأثره .. »).
قال الناظم:
خَلِيلَيَّ جِدًا فَالْعُلُومُ كَثِيرَةٌ وَهَذَا غُرَابُ المَوْتِ يَنْعِقُ بِالبَيْنِ قوله: (خَلِيلَيَّ جِدًا فَالْعُلُومُ كَثِيرَةٌ: الخليل هو الصاحب، أي صاحبي ويصح الخطاب لصاحب واحدٍ ناداه بالتثنية - اجتهدا في طلب العلوم - وتحصيلها؛ لأنها كثيرة جدا والعمر قصير، لا ينبغي للمكلف العاقل أن يفرط في طلب العلم، وتحصيله، فطلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، كما جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة.
وقوله: (وَهَذَا غُرَابُ المَوْتِ يَنْعِقُ بِالبَيْنِ: أي وهذا غراب البين وهو الفراق، ينعق ويصيح ويؤذن بالبين وهو الموت والرحيل، إذ العرب تكني عن الموت بنعيق غراب البين، كما يقول الشاعر:
(1) ذكرتُ ذلك في بحثي في الأحداث السياسية بين الصحابة ومن بعدهم وموقف الإباضية منها»، وهو لا يزال في طور الإعداد والتأليف.