جلي الشروح على نونية فتح بن نوح شرح القصيدة النونية في التوحيد
الجزء ١ · صفحة ٢٥٦256
جلي الشروح على نونية فتح بن نوح
فلهذا يقول: (أَرَانِي عَلَى السِّتِّينَ عَامًا وَنَيّفًا): أي أعلم أني في الستين عاما من عمري، بل زيادة قليلة على الستين عاما، وهذا تذكير لنفسه ووعظ لها، لأن تذكر وتنظر في عمرها الذي قد فات.
وقوله: (بِمَعْرَكَةِ الْمَوْتَى كَهْدْنٍ عَلَى دَحْنِ: أي ستين عاما ونيفا فوقها وأنا في صراع مرير ومعركة ضروس مع الموت، أو أنه شبه حاله عند هذا العمر بالموتى الذين فاتهم من كمال الطاعة وما أصابهم من الحسرة على قلة الزاد والبضاعة، (كَهُدْنٍ عَلَى دَحْن كأني في هدنة وهي الصلح، ولكنها على حقد وغلبة وقهر وفي ذلك إشارة إلى أن من بلغ الستين عاما فهو إلى الموت في أي لحظة، وأن هذه الهدنة غير مأمونة، وفي خوف من تقلبها وارتفاعها
وتلاشيها.
- 166
قال الناظم:
حَقِيق عَلَى مَنْ حَازَهَا طَيُّ فُرْشِهِ بِجِدٍ وَكَدٌ يَسْتَعِدُّ لِمُمْكِن
قوله: (حَقِيقٌ عَلَى مَنْ حَازَهَا طَيُّ فُرْشِهِ): أي جدير بمن بلغ هذا العمر (الستين) وما بعده أن يشتغل بالعمل الصالح، وواجب عليه أو حق عليه أن يترك ما لا يليق به، وأن يشتغل بما هو أنفع له في ميعاده ومنقلبه، فالعمر قصير، وهو قد دنى من الموت ومن القبر، (طَيُّ فُرْشِهِ): عَبَرَ بطي الفُرش فراش كناية عن الاجتهاد في العبادة والتشمير لها ومفارقة الراحة والدعة استعدادًا للرحيل للدار الآخرة.
جمع
وقوله: (بِجِدٍ وَكَدٌ يَسْتَعِدُّ لِمُمْكِن): أي حري بمن بلغ الستين ونيفها أن يطوِيَ فراشه مجتهدا بالجد والكد في العمل الصالح استعدادًا للأمر الممكن وقوعه عقلا ونقلا ألا وهو الموت المحتوم، إذ هو الحق اليقين الذي لا مرية فيه: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [العنكبوت: 57].