جلي الشروح على نونية فتح بن نوح شرح القصيدة النونية في التوحيد
الجزء ١ · صفحة ٢٥٧في ذكر أخلاقيات الناظم واعترافه بفضل
قال الناظم:
الله عليه
257
167 - مُنَايَ مِنَ الدُّنْيَا قُوَيْتُ وَسُتْرَةٌ وَخِدْمَةُ عِلْمٍ يَا لَهَا شَرَفُ الخِدْنِ قوله: (مُنَايَ مِنَ الدُّنْيَا قُوَيْتٌ وَسُتْرَةٌ): أي وبعدما بلغت هذا العمر (الستين) ونيَّفتُ عليه قليلا فإن الذي أتمناه الآن من هذه الحياة قريبة الزوال والرحيل، شيئًا من المأكول والمشروب لأقتات به تقوم به بنيتي وجسدي، ولا أكون عرضة للأمراض والهزال والهلاك من الجوع والعطش، بل يكفيني ما أسد به رمقي من غير توسع وزيادة، إذ لا حاجة لي في التوسع في المأكل والمشرب، وكذا يكفيني ثوب أستتر به ما يجب ستره علي شرعًا وما لا يليق بي إظهاره، من غير توسع ولا شهرة في لباسي، إذ لا حاجة لي بثياب الشهرة، فإن المرء الذي يجد قوته الذي يكفيه وستره الذي يغطيه كفاه غبطة من غيرة في عيشه هذا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا).
وقوله: (وَخِدْمَةُ عِلْمٍ يَا لَهَا شَرَفُ الخِدْنِ): أي أن الذي أتمناه فيما بقي لي من عمر في هذه الحياة الدنيا أن أجتهد قدر وسعي وطاقتي في خدمة العلم ونشر العلوم، بما يورث لي الأجر العظيم، فإن الاشتغال بنشر العلم ومسائل الدين وأحكام الشريعة بين الناس لهو من أعظم الشرف والمكانة لهذا المرء في حياته، ولهذا قال الناظم مبيّنًا غاية هذا الشرف: (يَا لَهَا شَرَفُ الخِدْنِ): أي يا لخدمة العلم من شرف فاقت به على أصحابها وأخدانها وأمثالها من الأعمال الصالحة، ولهذا قال بعضهم: مناي من الدنيا علوم أبثها وأنشرها في كل بادٍ وحاضر (2)
(1) رواه الترمذي، برقم: 2346.
(2) البيت منسوب لابن حزم الظاهري الأندلسي.