جلي الشروح على نونية فتح بن نوح شرح القصيدة النونية في التوحيد
الجزء ١ · صفحة ٢٥٩في ذكر أخلاقيات الناظم واعترافه بفضل الله عليه
259
وقوله: (إِذَا نَعِمَتْ عَيْنِي غَدًا وَعُفِي عَنِّي: أي لا يضرني ولا يؤلمني إن فاتني ولم أحصل على بعض نعيم الدنيا إن رضيت عيني يوم القيامة بما سرتها رؤيته من الثواب، وإن عفا الله تعالى عني وأدخلني دار كرامته ومستقر رحمته، فأي نعيم الدنيا يُؤسف عليه إن فاتني فيها، وقد أحلني الله تعالى دار الكرامة، وإذا كانت قراءة هذا المقطع القصير من كتاب الله تعالى تجعل المرء يطير شوقا إلى ما وعده الله تعالى به، ألا وهو قول الله له، و يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَةُ الْأَعْيُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ} [الزخرف: 71]، فكيف بآيات الوعد الكثيرة في كتاب الله، التي تبعث في النفوس الشوق والهمة العالية للتفاني في العمل الصالح، وقد سئل أحد فقيل له: صف لنا نعيم الجنة؟ أو قل لنا شيئًا يشوقنا إلى الجنة؟ فقال: فيها رسول الله.
قال الناظم:
حَلَبْتُ زَمَانِي أَشْطُرًا فَوَجَدْتُهُ سَرَابًا بِقَاعِ مَا خَلَا الْعَمَلَ السُّنِ
قوله: (حَلَبْتُ زَمَانِي أَشْطُرًا فَوَجَدْتُهُ سَرَابًا بِقاع): أي اختبرتُ زماني الذي عشتُ فيه وأحواله وتفاصيله من حيث بقاء ما فيه ودوامه، لعلي أجد فيه شيئًا يدوم، فوجدته حقيقة أن دوامه وبقاؤه محال، فضلا عن بقاء ودوام ما فيه ومَن فيه، فهو ظل زائل، وضيف عابر وسرابٌ بقاع ذاهب، وكطيف خيال سرعان ما يتلاشى، ولا يبقى منه شيء إلا عمل صالح يأخذه الإنسان معه ليلقى ثوابه في الدار الآخرة فقط.
قوله: (حَلَبْتُ زَمَانِي أَشْطرًا): مأخوذ من قول العرب في المثل: «حلب فلان الدهر أشطرًا» أي جرَّب أموره حلوه ومره وخيره وشره)، قال ابن دريد في مقصورته:
(1) الثميني، كتاب النور .. شرح نونية أبي نصر في التوحيد، (مرقون).