جلي الشروح على نونية فتح بن نوح شرح القصيدة النونية في التوحيد
الجزء ١ · صفحة ٢٦١في ذكر أخلاقيات الناظم واعترافه بفضل الله
عليه
261
وقد شبه الناظم الا الى النفوس البشرية التي تعيش في زمان الحياة الدنيا بالسفن، لعلة الشحن والحمل والتحمل، فالنفوس تشحن بحب أمور الحياة الدنيا وزخرفها، كما أخبرنا الله تعالى بذلك حينما قال: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِن النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَتَابِ) [آل عمران: 14]، فتكون هذه النفوس حمالة لتلك الرغائب والشهوات.
وقوله: (تَعُوقُ عَنِ الْمَأْمُولِ فِيهِ وَتَنْتَنِ): أي أن هذه العلائق التي شحنت النفوس بحبها من أمور الدنيا هي في الحقيقة تعوق وتصد وتمنع أصحاب هذه النفوس من تحصيل النعيم الأخروي؛ بسبب أنها تلهي أصحابها عن أسباب السعادة في الآخرة حتى يأتيهم الموت، فهي تعوق هذه النفوس عن المأمول في هذا الزمان من العمل الصالح في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة، (وَتَنْتَن): أي وترجع بها إلى الوراء والتقهقر المانع لها من استحقاق النعيم الأخروي المرجوء في الدنيا.
قال الناظم:
172 - فَلَوْ كُنتُ ذَا حَزْمٍ لَمَهَّدْتُ هُوَةٌ أَسِيرُ إِلَيْهَا عَنِ قَلِيلٍ بِهَا دَفْنِي قوله: (فَلَوْ كُنْتُ ذَا حَزْمٍ لَمَهَّدْتُ هُوَةٌ: أي لو كنتُ أنا ذا قوة وعزم وشدة لهيأتُ تلك الحفرة الضيقة التي أوضع فيها بعد موت، ولأعددتُ قبري ومثواي في التراب، ولكن ضعفتُ وقلة قوتي وحيلتي وعزمي، فلم أكن بذي عزم وحزم على هذا الأمر؛ لأني ما زال قلبي متعلق بالدنيا وغير راغب في الآخرة وإلا لمهدت وهيأتُ قبري بيدي، ولكني غرني طول الأمل وأماني، وهذا منه الان تواضع من أجل هضم النفس وتقريعها، وعدم التساهل معها في الاغترار بالعمل الصالح المتقدم، وإلا فإنه استقام على دين ربه وأدى ما عليه رحمه الله وغفر له.