جلي الشروح على نونية فتح بن نوح شرح القصيدة النونية في التوحيد
الجزء ١ · صفحة ٧٨78
جلي الشروح على نونية فتح بن نوح
2 ـ جاء النفي في هذه الآية بـ (لا النافية) {لَا تُدْرِكُهُ، ولم يأتِ بحرف (لن) كما في آية: {لَن تَرنني، علما بأن حرف (لن) أقوى في النفي والتأبيد من حرف (لا)، فلماذا لم يأتِ التعبير في الآية الأولى؟!
والجواب: لأن آية: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخبير) [الأنعام: 103)، سيقت مساق الإخبار والتمدح وليست للتبكيت والزجر، أما آية: {لَن تَركني، فقد جاءت في مساق الردّ والتبكيت والزجر لقوم موسى ع الذين طلبوا منه أن يروا الله تعالى جهرة بقولهم له: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) [البقرة: 00]، فأخبرنا الله تعالى عن ذلك بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَيْنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ، قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَينِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ، فَسَوْفَ تَرَينِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكَّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 143].
- كلمة (الإدراك): في اللغة تعني اللحاق، فأدركته بيدك إذا لمسته، وأدركت حياته إن لحقته حيا ولو يومًا واحدًا، وأدركته ببصرك إذا رأيته وشاهدته، وقد ذكر الله تعالى قول قوم موسى لا له: ﴿فَلَمَّا تَرَعَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: (6]، أي إنا لملحوقون، وقول الله تعالى في أهل النار: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْنَهَا حَتَّى إِذَا أَذَارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا} [الأعراف: 38]، أي تلاحقوا.
4 ـ (الأبصار): جمع بصر، وهو جمع معرَّف بـ (أل)، وأل يُراد بها الاستغراق ونفي لعموم السلب، أو يُراد بها بيان، الجنس، فلا يدركه كل ما كان من جنس
الأبصار، أي بصر كان، كما يقول الإمام السالمي في «شمس الأصول»:
وإن أتى ذو اللام وهو محتمل للجنس والعهد، فللجنس حمل (1)
(1) السالمي، أبو محمد عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي (ت: 1332 هـ)، منظومة شمس الأصول، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع - السيب، سلطنة عُمان، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م، (باب العام) ص 13.