جلي الشروح على نونية فتح بن نوح شرح القصيدة النونية في التوحيد
الجزء ١ · صفحة ٧٩ذكر ما يليق وما لا يليق بالله سبحانه وتعالى من الصفات
:
79
ه ـ في الآية الكريمة ثلاثة مقاطع المقطع الأول: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ، والمقطع الثاني: {وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ، والمقطع الثالث: {وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ، فلو أتينا للنظر في أصل هذه الآية لوجدنا أنها سيقت لبيان المقطع الأول والإخبار عنه، وليست لبيان المقطع الثاني؛ لأنه لا خلاف فيه؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو يدرك الأبصار ويدرك كل شيء، ولهذا أخبرنا متمدحًا بأن الأبصار لا تدركه.
6 ـ وبما أننا أثبتنا أن الآية جاءت لتأكيد المقطع الأول وهو: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ، فما الفائدة والحكمة من ذكر نظيره المقطع الثاني: {وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ مع أنه لا خلاف فيه ولا ريب؟!
والجواب: ذلك ما يسمى في علم البيان بالمقابلة، أتى بالمقطع الثاني ليقابل به المقطع الأول لبيان تأكيده، فكما أنه يدرك الأبصار بنسبة 100?، فالأبصار لا تدركه بنسبة 100، وأسلوب المقابلة في القرآن الكريم بين الفريقين المختلفين كثير جدًّا، ويُراد به تأكيد كل واحد من الفريقين بالآخر.
7 ـ وما يدل على أن الآية سيقت لبيان المقطع الأول منها ما جاء في المقطع الثالث من التذييل بقوله تعالى: {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، واللطيف من اللطافة والخفاء، والخفاء، والخبير العالم بحقيقة خلقه وقدراتهم، فلو كانت الآية سيقت لبيان المقطع الثاني مثلا وهو قوله: {وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَرَ، لختمها بما يناسب ذلك مما يدل على القدرة والبصر كما هو معلوم من أسلوب القرآن الكريم مثل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: 20]، أو بمثل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ﴾ [البقرة: 20].
ـ إن هذه الآية الشريفة: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 103]، جاءت خبرية، فهي من الأخبار التي أخبرنا الله