جلي الشروح على نونية فتح بن نوح شرح القصيدة النونية في التوحيد
الجزء ١ · صفحة ٨٠80
جلي الشروح على نونية فتح بن نوح
تعالى بها عن نفسه، فلا نفسه، فلا يصح ما أخبرنا الله تعالى به، فمخالفة الخبر الحقيقة يسمى كذبا عياذا بالله، وتعالى
قطعا تغير الأخبار عن حقيقتها فتكون خلاف
الله
عن ذلك علوا كبيرًا.
9 - إن هذه الآية الشريفة: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَر وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ [الأنعام: 103]، جاءت في سياق التمدح فلا يجوز تبدل ما الله تعالى متمدح به، وإلا لزم زوال ما أوجب المدح إلى ما يُوجب ضده وهو الذم، تعالى الله ذلك.
عن
10 - وأما في الآية الكريمة: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَيْنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ، قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَكَنِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ، فَسَوْفَ تَرَيْنِي فَلَمَّا تجلى ربه الجبل جعله دَكَّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 143]، فدخول (لن) النافية على الفعل المضارع في قوله تعالى: {كن تركني، يفيد الاستمرار والدوام والتأبيد، فلن تراني أبدا على الدوام في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن (لن) تأبد فعلها، ولا دليل في السياق القرآني السابق يدل على أن هذا النفي لَن تَركني في الدنيا فقط دون الآخرة، أو يُراد به النفي في الدنيا فقط.
-
11
عدم الرؤية متعلقة بخصائص ذات الله تعالى وصفاته، فهو أخبرنا عن ذاته بأنها لا تدركها الأبصار فقال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 103]، أي أن عدم الرؤية وامتناعها متعلق بذاته تعالى، وعليه فلا يجوز أن يقال بأنه لا يرى في الدنيا لقوله لَن تَركني، ولكنه يُرى في الآخرة، كلا فإن الله تعالى لا تتغير صفاته وذاته من مكان إلى مكان، ولا من زمان إلى زمان فهو لا تجري عليه الأزمنة ولا تغيره الأمكنة، فلا يقال بأنه لا يُرى في الدنيا ولكن يُرى في الآخرة، تعالى الله عن ذلك التغير علوا كبيرًا.