جلي الشروح على نونية فتح بن نوح شرح القصيدة النونية في التوحيد
الجزء ١ · صفحة ٨٢82
جلي الشروح على نونية فتح بن نوح
لا أن يتخلى عنها المولى الله، فإن الله تعالى لا يتخلى عن صفاته الذاتية، يصح وإثبات رؤيتهم له إثبات تخليه عن المانع لهم من رؤيته سابقا، وهذا محال، فهل يقال بأن الله - تبارك وتعالى - الجبار المتكبر مالك الملك والملكوت، والقهر والجبروت يتخلى عن كبريائه العظيم، فيكون حينئذ بلا كبرياء؟ فإن إثبات الرؤية والقول بجوازها وحدوثها إثبات لزوال ذلك الكبرياء المانع لها سابقا، فلو جازت الرؤية يكون الله تعالى حينها بلا كبرياء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا.
14 ـ وما استدلوا به من أحاديث لإثبات الرؤية يقضي أنهم يرونه في الجنة، وهذا يقتضي أن الله تعالى في الجنة؛ لأن (في) ظرفية وهذا باطل؛ لأن الله تعالى لا يحيط به المكان.
15 ـ أما الآية الكريمة: {وُجُوهٌ يَوْمَذٍ نَاضِرَةُ إِلَى رَبَّهَا ناظرة) [القيامة: 22 - 23]، فلا دليل فيها على رؤية الله تعالى؛ لأن النظر لا يستلزم الرؤية، فالنظر إلى الشيء لا يستلزم رؤيته، فأقول: نظرتُ الهلال فلم أره.
16 - النظر يأتي على معان متعددة في اللغة والمعنى الصحيح المقصود منه يحدده سياقُ الكلام الوارد فيه، فيأتي النظر بمعنى الرؤية وبمعنى الانتظار ولو تعدى بـ (إلى)، ولا معنى لقصر ما إذا تعدى النظر بـ (إلى) فلا يكون إلا بمعنى الرؤية، فإن ذلك يردُّه القرآن نفسه كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَبِكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 77]، فهل يقال بأن الذين يشترون بعهد الله ثمنًا قليلا لا يراهم الله يوم
القيامة.
17 - فإن قيل - فرارًا من إلزام الآية السابقة الدالة على تعدي النظر بـ (إلى) -: إن القول بأن النظر المتعدى بـ (إلى) لا يكون إلا بمعنى الرؤية متى ما لم تأتِ قرينة تصرف هذه القاعدة.