كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠٥من علمائهم وفقهائهم إلا أبو القاسم البغطوري وعبد الله بن الخير وهما اللذان يفتيان لأهل الجبل، في نوازلهم من تلك الوقعة، ولولاهما لعطلت الفتوى إلى يوم القيامة. ثم إن نفوسة عزلوا أفلح بن العباس وولوا مكانه ابن عمه، فلما علم بذلك أفلح وقد كان معه رجل ممن يحاميه، غضب وتحامى وقام يريده، فقال أفلح: احمني، فقال له الرجل: لا أقدر أن أحميك(1) فقاله: احمل لي ولو حلي، فلما سمع بذلك أبو معروف وتخوف الفتنة، توجه إليه فوجده في حالته تلك، فنهاه عن الفرقة والاختلاف وأمره بالصبر، فسمع منه أفلح وقبل قوله واطمأن إليه حين قال لنفوسة لا تعزلوه، وترك أفلح الاختلاف ومكث ابن عم أفلح حوالي ثلاثة أشهر، فلم يحسن شيئا فتركوه ورجع الناس إلى أفلح. وحدث غير واحد من أصحابنا أن الصفين لما افترقوا بمانوا وجنهم الليل، جاء رجل من عسكر الفاسق إبراهيم بن أحمد، إلى أخ له مات في المعركة ليحمله ويدفنه. فلما وصل إلى الصفين، وررفع أخاه على دابته، نظر إلى شخص كهيئة صورة سلوق يطوف في قتلى المسلمين، فسمعه يقول: كبروا يا أهل الجنة، كبروا، فكبر قتلى المسلمين بأجمعهم، ثم جاز على قتلى المسودة فسمعه يقول: انجوا يا كلاب النار، فنجوا بأسرهم حتى نبح أخوه بين يديه على سرج الدابة، فألقى به إلى الأرض وهرب وتركه ومضى لسبيله. ولما فرغ الفاسق من قتال نفوسة ومن كان معها، ذكر له أن قنطرارة كانت بها بقية أهل دعوتهم، فعمد نحوهم حتى أتاهم بغتة، فنزل عليهم عند طلوع الفجر، فقتلهم واختار من فقهائهم وعلمائهم ثمانين عالما، فشد وثاقهم. وبلغنا أنه لما فرغ من أهل قنطرارة سأل عن بقية أهل الدعوة، فقالوا له أن بنفزاوة رجلا عالما فقيها من علمائهم وفقهائهم يقال له أبو بكر بن يوسف النفوسي، فوجه إليه فأخذته الرسل بتيزي زاج(2). فلما أخذته رسل الفاسق طلبهم الشيخ أن يدعوه حتى يصلي ركعتين، فلما صلاهما، أخذ بالدعاء إلى الله فبعث الله عليهم ريحا عاصفا مظلما، فحال بينهم وبين الشيخ فأخذ ابنه يوسف، وكان الشيخ إذ ذاك قد كف بصره ومضى إلى تناوته. ثم إن الفاسق عدو الله، توجه بثمانين عالما يريد مدينة القيروان، فشد وثاقهم وقد كان فيهم رجل عالم يقال له ابن يثيب(3) وكان مقطوع العرقوب، فلما جن عليهم الليل استأذن أصحابه في الهروب، ولم /105/
(1) في الأصل: احملني، فقال له الرجل: لا أقدر أن أحملك.
(2) كذا في الأصل: تيزي زاج؟.
(3) كذا في الأصل أوردها المترجم بالشكل الفرنسي Jetsoub